د. نصر فحجان يكتب: إن أحسَنتُم أحسنتُم لأنفُسِكُم وإن أسَأتُم فلَهَا

هذه قاعدة عامة وسنة ماضية، وهي دعوة من الله تعالى لبني إسرائيل إلى الإحسان، والابتعاد عمّا يُغضب الله، وعمّا يعرضهم للهلاك، فالإحسان لكم إن أحسنتم، والإساءة لكم إن أسأتم، وأنتم من يجنون الثمار في الحالتين.
وهذه القاعدة الربانية يقضي بها الله تعالى إلى بني إسرائيل في نفس الوقت الذي يبلغهم فيه بأنه سيكون منهم إفسادان في الأرض المباركة فلسطين.
(إن أحسنتم):
أيْ إنْ فعلتم الحسنات، والْتَزمْتم بشرع الله تعالى، وأوامره وراقبتم ربكم في أموالكم وأفعالكم.
(وإن أسأتم فلها):
أيْ إنْ فعلتم السيئات، وتنكَّبتم طريق الهداية والصلاح، وعصيتم ربَّكم، وتعدَّيتم حدوده.
وفي الآية دعوة من الله تعالى لبني إسرائيل بالتوبة والإنابة والرجوع إلى ربهم بعد إفسادهم الأول وزوال ملكهم، وقتل الآلاف منهم، وسبْي أمثالهم، فالله تعالى يعطيهم الفرصة قبل أنْ يتورَّطوا في الإفساد الثاني، فيحق عليهم العذاب والعقاب، ويحدث لهم مثل ما حدث في (وعد أولاهما) من القتل والتعذيب.
إنّها دعوة ترسم طريقاً واضحاً وسُنَّة إلهيّة في البشر: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها)، وما أحوجَ الناسَ إليها! وما أحوج بني إسرائيل إليها!
– فهل أخذ اليهود بدعوة ربهم ووصيته؟!
– هل استجابوا لله وهو يدعوهم للنّجاة؟ فيصنعوا مستقبلهم بأنفسهم؟!
إنَّ واقع الحال يدلّ على أنّهم لم يتَّعظوا بوصية الله لهم، ولم يُحسنوا، بل تورَّطوا بالإفساد مرَّتين كما أوحى الله إليهم بعلمه.
ويمكن أنْ يكون الخطاب في قوله تعالى:
(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) موجَّهًا للمسلمين تعقيباً على الحكاية عن بني إسرائيل، ووصية للمسلمين بأنْ لا يكونوا مثل هؤلاء الذين أفسدوا في المرة الأولى، فبعث الله عليهم من يزيل ملكهم، ويجوس خلال ديارهم، فخذوا العبرة يا أهل الإسلام (فاعتبروا يا أولي الأبصار)، فما كان الحديث عن إفساد بني إسرائيل في القرآن الكريم إلا لتأخذوا العبرة، وتُحسنوا.
لكنّ الوجْه الأوَّل أكثرُ مناسبةً للسياق، لأنّه استمرارٌ في مخاطبة بني إسرائيل، فالله تعالى بعد أنْ أعلم بني إسرائيل بأنَّه سيرُدُّ لهم الكرَّة على مَنْ أزال إفسادهم الأوَّل، يقول لهم: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} الإسراء/7.
د. نصر فحجان – غزّة
من كتابه/ وَعد الآَخِرَة – زوال لا إبادَة