يقول الله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا) {الأحزاب: 59}.
جاء في تفسير القرطبي لقوله تعالى: (ذلك أدنى أن يعرفن) قوله: (أي الحرائر، حتى لا يختلطن بالإماء، فإذا عُرفن لم يقابَلْن بأدنى من المعارضة مراقبةً لرُتبة الحرية، فتنقطع الأطماع عنهن).
وجاء في تفسير ابن كثير للآية السابقة قوله: (إذا فعلن ذلك عُرفن أنهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر).
ومثل هذا قال جمْعٌ من المفسرين السابقين والمعاصرين، منهم: مجاهد، وقتادة، وابن الجوزي، والماوردي، والبيضاوي، والرازي، وابن عجيبة الحَسَني، والقاسمي، وابن عاشور، والزحيلي… وغيرهم، وهي أقوال تجعل المُراد من الآية الكريمة هو التمييز بين الحرائر والإماء اجتماعيًا، من خلال أمر الحرائر بالإدناء عليهن من جلابيبهن، لئلا يتعرضن للإيذاء، وأنّ سَتر العورات يقتصر على الحرائر دون غيرهن من النساء، وكأنّ إثارة الفتنة لا تكون إلا من الحرائر، أما الإماء فلا تكون منهن إثارة ولا فتنة، وهو ما يجعل هذا الفهم للآية للكريمة مضطربًا ولا يدل عليه السياق، وذلك للأسباب التالية:
أولًا: إنّ الآية عامَّةٌ في كل نساء المؤمنين من الحرائر والإماء، ولم يرد في السياق ما يستثني الإماء من إدناء الجلابيب عليهن، يقول الله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا) {الأحزاب: 59}، فالآية موجَّهة لكل نساء المؤمنين من الحرائر والإماء بإدناء الجلابيب عليهن ليُعرفن بالعفَّة والوقار والحشمة، فلا يطمع فيهنّ طامع من الذين في قلوبهم مرض من الفُسَّاق والماجنين، ولا يتعرض لهنّ أحدٌ من المارّة بالإيذاء البصري، أو اللفظي، أو بالتحرش الجنسي الذي يكون سببه كشف العورات والتساهل في إبدائها من قِبَل بعض النساء في أكثر الأحوال.
ولم يرِد في السُّنة الصحيحة ما يُشير إلى أنّ الإماء مسموحٌ لهنّ أنْ يُثِرن الفتنة في المجتمع المسلم من خلال كشف عوراتهنّ وعدم إدنائهنّ عليهنّ من جلابيبهنّ.
وفي هذا يقول أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط: “والظاهر أنّ قوله تعالى: (ونساء المؤمنين) يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرّفهن، بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح، وقوله: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) أيْ لتسترهن بالعفة فلا يُتَعرَّض لهن، ولا يَلْقَين ما يَكرَهْن، لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يُقدَم عليها، بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها”.
ثانيًا: إنَّ القول بأنَّ المُراد بقوله تعالى: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) هو أنْ يُعرَفن بأنهن حرائرُ ولسنَ إماءً قولٌ فيه انتقاصٌ من حقوق المرأة الأَمَة، وأنه مسموحٌ للرجال والفُسَّاق بإيذائهنَّ دون الحرائر، وهذا ما لا يمكن أنْ يدعو إليه الإسلام الذي جاء ليحفظ حقوق الناس وكرامتهم، فكل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه، ولا فرقَ في هذا بين الحُرّة والأَمَة.
ثالثًا: قول الله تعالى: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) يشير إلى أنّ الإدناء من الجلابيب دليلٌ على اتباع النساء للمعروف، وابتعادهن عن المنكر غير المألوف، فكلمة: (يعرفن) فيها معنى المعروف الذي جاء به الإسلام من العفّة والتستُّر، وهو ما يجعل المرأة غير مطموع فيها، وغير مثيرة للفتنة والإغواء بما تتبع من المعروف والمبالغة في التستر.
رابعًا: إنّ الآية الكريمة ليست متعلقةً بزمن، أو بحدث خاص في عصر من العصور، بل هي موجهة لنساء المؤمنين في كل المجتمعات، وفي كل العصور، ولو قلنا بأنها تتحدث عن التمييز بين الحرائر والإماء فماذا نقول الآن والرِّق لم يعد موجودًا؟ فهل نقول لنساء المؤمنين اليوم: إنّ الآية: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) لا يلزم الأخذ بما فيها من أحكام فإنها تخص زمنًا ماضيًا قد انتهى؟
إنّ إدناء نساء المؤمنين عليهن من جلابيبهن سببٌ لأن يُعرفن بأنهن عفيفاتٌ ومحافظات، والواقع في مختلف المجتمعات يشهد للنساء المتعفّفات والمتستّرات اللاتي يحفظن عوراتهن بأنهن يمنعن عن أنفسهنّ الطمع فيهنّ، أو إيذاءهنّ من قِبل الفاسقين وأصحاب القلوب المريضة، لأنهم يعرفون بأنهنّ لسْن ممّن يُطمع فيهن، وأنهن عصيَّاتٌ على الإيذاء، بما يحظَين من العفّة والوقار والجدية والمحافظة.
د. نصر فحجان – غزة