(قد أرسلنا نوحًا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) {العنكبوت: 14}.
لا تُوجد نصوصٌ صحيحةٌ صريحةٌ تدلُّنا على مكان إقامة نوح عليه السلام، وعلى المكان الذي مارس فيه دعوته، وصنع فيه السفينة، وحدث فيه الطوفان الذي أغرق الله به الكافرين، ونجّى به المؤمنين، وإننا عندما نطالع بعض كتب التفسير، والكتب التي تهتم بسِيَر الأنبياء وقَصص القرآن، نجد أنّ أصحاب هذه الكتب مختلفون في تحديد المكان الذي عاش فيه نوح عليه السلام، وأنّ السَّواد الأعظم منهم يأخذون أقوالهم من الإسرائيليات، ومِن كتب أهل الكتاب، ومِن القُصَّاص الذين لا يتّبعون دليلًا صحيحًا يستندون إليه.
ومن أشهر هذه الأقوال:
1- أنّ نوحًا عليه السلام وقومَه كانوا في منطقة العراق والكوفة والبصرة وما بين النهرين.
2- أنّ نوحًا عليه السلام وقومَه كانوا في منطقة تركيا، والبحر الأسود.
3- أنّ نوحًا عليه السلام وقومَه كانوا في منطقة الهند.
4- أنّ نوحًا عليه السلام وقومَه كانوا في منطقة المغرب العربي (الشمال الإفريقي).
5- أنَّ نوحًا عليه السلام وقومَه كانوا في منطقة اليمن.
6- أنّ نوحًا عليه السلام وقومَه كانوا في الشام في منطقة يُقال لها عين وَردة، ودمشق، وبَعلَبَك بلبنان.
والأقوال في هذا كثيرة ومختلفة، ولكنّها جميعًا أقوالٌ لا دليل عليها من القرآن الكريم، أو من السُّنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونوحٌ عليه السلام حتمًا كان في مكان ما، وأنه عليه السلام ظلّ يمارس دعوته مع قومه لمدة استمرّت ألف سنة إلا خمسين عامًا، ولا شكّ أنه عليه السلام صنَع السفينة التي أمره الله تعالى بصُنعها في المكان الذي كان فيه قومُه، وأنه حمل معه فيها أهله ومَن آمَن معه، وحمل فيها مِن كلٍّ زوجين اثنين، يقول الله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كلٍّ زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) {هود: 40}.
فأين كان يُقيم نوح عليه السلام؟
فيما يلي سنعرض بعض القرائن التي يمكننا من خلالها أنْ نستنبط ونستدل على المكان الذي كان يقيم فيه نوح عليه السلام، وإلى أين نجّاه الله تعالى، وأين استقرّ هو ومَن آمن معه:
القرينة الأولى:
“بقاء الأصنام التي عبدها قوم نوح وانتقالها إلى العرب”:
جاء في سورة (نوح) على لسان الكافرين من قوم نوح الذين كانوا يُصِرُّون على عبادة آلهتهم وأصنامهم: (وقالوا لا تذرُن آلهتكم ولا تذرُن ودًّا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا) {نوح: 23}، فقد عبد قوم نوح الأصنام، وكانوا يتواصَوْن فيما بينهم أنْ لا يتركوا عبادة هذه الأصنام، ولا يتخلَّوْا عنها كما في قوله تعالى: (وقالوا لا تذرُن آلهتكم) وكان من أشهر هذه الأصنام: (وَدٌّ) و(سُوَاعٌ) و(يَغُوثُ) و(يَعُوقُ) و(نَسْرٌ)، وعندما أغرق الله تعالى قوم نوح بالطوفان، بقِيت هذه الأصنام، وبقِيت أسماؤها، ففي صحيح البخاري أنّ ابن عباس رضي الله عنهما قال: (صارت الأوثان التي كانت في قوم نوحٍ في العرب بَعدُ، أما (ودٌّ) كانت لكَلْب بدَومة الجندل، وأما (سُواعٌ) كانت لهُذَيل، وأما (يغُوثُ) فكانت لمُراد، ثم لبني غُطيف بالجَوف عند سبإ، وأما (يعُوقُ) فكان لهَمدان، وأما (نَسْرٌ) فكانت لحِمْير لآل ذي الكَلاع…).
وكل هذه القبائل التي تحدث عنها ابن عباس رضي الله عنه هي قبائل عربية معروفة كانت موجودة في الجزيرة العربية، وقد ورثت هذه القبائل الأصنام عن قوم نوح المُغرَقِين، وفي هذا إشارة إلى أنّ قوم نوح كانوا في ذات المنطقة التي سكنها العرب من بعدهم، وهي منطقة مكة وما حولها في الجزيرة العربية.
👇👇👇
يُتبَع إن شاء الله..







