ليست بناءً يُرى، بل تحفةٌ تُتلى، كأن الحجارة هنا لم تُرصّ، بل نُسجت على مهلٍ من نورٍ وذوقٍ ووقار.
في الجهة الغربية من المسجد الأقصى، بين المدرسة العثمانية ومئذنة باب السلسلة، تنتصب المدرسة الأشرفية، وقد تجاوزت حدود الرواق شرقًا لتدخل في صحن الأقصى، كأنها لم ترضَ أن تبقى على الهامش، فأبت إلا أن تكون في القلب. شُيّدت في العصر المملوكي سنة 1480م بأمر السلطان الأشرف قايتباي، فحملت اسمه، وعُرفت أيضًا بالسلطانية والقيتبائية، غير أن اسمها الأجمل هو ما أطلقه عليها مجير الدين الحنبلي حين سماها: الجوهرة الثالثة بعد قبة الصخرة والمصلى القبلي.
ولم تكن الأشرفية وليدة لحظةٍ منفصلة، بل كانت امتدادًا لبناءٍ سبقها؛ إذ كانت هنا مدرسةٌ أقدم أنشأها الأمير حسن الظاهري للسلطان الظاهر خوشقدم، ثم آلت إلى الأشرف قايتباي، فوقف عليها بنفسه حين قدم القدس، فرأى أن ما بين يديه لا يليق بجوار الأقصى، فأمر بهدمها لا ليُزيلها، بل ليُعيدها على صورةٍ أكمل وأجمل، فحُفرت أساساتها من جديد، وأُقيم بنيانها بإحكام، وكُسيت ظواهرها بما يشبه إحكام بناء الأقصى نفسه، حتى خرجت في أبهى حلّة، كأنها وُلدت من جديد، ولكن بذاكرةٍ أعمق وجمالٍ أتمّ.

وإذا كان الجمال يُقاس بالعين، فإن الأشرفية تُقاس بالدهشة.
مدخلها وحده حكاية: عقدٌ شعاعيٌّ كأن الضوء قد تكسّر فيه وتوزّع، وأحجارٌ ملوّنة بالأبلق الأحمر والأبيض، تتعانق في انتظامٍ يُشبه الإيقاع، ومقرنصاتٌ تتدلّى كأنها قطرات زمنٍ تجمّدت على هيئة فنّ. بابها ليس بابًا، بل إعلانٌ صريح أن الداخل إلى هنا لا يدخل مدرسة، بل يدخل مقامًا من مقامات الجمال.
وقد وقف عندها الرحالة عبد الغني النابلسي مأخوذًا، فوصف بابها العظيم، وأحجارها المنحوتة، وعقودها العالية، ثم صعوده درجاتها الملتفّة حتى بلغ فضاءً واسعًا مزخرفًا، كأن الصعود إليها ارتقاءٌ لا انتقال.
تتألف المدرسة من قسمين يتعانقان في المعنى والمكان:
قسمٌ داخل الأقصى، بطابقين، كان سفليّه مصلى للحنابلة يتقدّمه محرابٌ طويل جميل، وهو اليوم موطنٌ للمخطوطات يُرمّم فيه التراث كما تُرمّم الذاكرة، وفيه أضرحةٌ، منها قبر الشيخ محمد الخليلي.
وقسمٌ آخر – هو الأكبر – يمتدّ خارج حدود الرواق، وقد تحوّل إلى مقرّ ثانوية الأقصى الشرعية للبنات، حيث يستمرّ العلم حيًّا في جنبات المكان، وتبقى المدرسة، رغم تقادم القرون، تؤدّي رسالتها في تعليم الأجيال، لا بالحجارة فقط، بل بالحياة المتجدّدة فيها.
أما الطابق العلوي القديم – الذي وصفه مجير الدين بأواوينه الأربعة وزخارفه البديعة – فقد أصابه ما أصاب كثيرًا من آثار الزمان، فتهدّم سقفه، ولم يبقَ إلا ما يشهد على عظمة ما كان؛ بقايا جدرانٍ مزخرفة، ونقوشٍ تهمس بأن الجمال هنا لم يكن عابرًا، بل كان مقصودًا إلى غايته.
ومع ذلك…
يكفي أن تنظر إلى بقاياه لتدرك كماله، ويكفي أن تمرّ من بابه لتشعر أن شيئًا فيك قد تهذّب.
إن الأشرفية ليست مدرسةً للتعليم فحسب، بل مدرسةٌ للذوق، تُدرّس الحجر كيف يكون فنًّا، وتعلّم العابر كيف يرى.
هي بناءٌ بدأ حكاية، ثم جُدّد فازداد بهاءً،
ثم أصابه الزمن، فصار شاهدًا،
ثم بقي نابضًا بالعلم… فصار حياة.


