على بُعد خطواتٍ من باب حِطّة، يقف بابُ شرف الأنبياء، هادئًا في هيئته، عظيمًا في تاريخه، كأنه لا يحتاج إلى زخرفةٍ ليدلَّ على مكانته؛ فهو من أقدم أبواب المسجد الأقصى، حتى إن المؤرخ المقدسي أبا بكر المطهَّر وصفه في القرن الرابع الهجري باسم أبواب الهاشميين، وكان يومئذٍ ذا ثلاثة مداخل، ثم تعاقبت عليه يد العمارة، فجُدِّد في العصر الأيوبي مع تجديد الرواق الشمالي، وبقي شاهدًا على عصورٍ تعاقبت، بينما ظل هو ثابتًا على حراسة الأقصى.
وتبدّلت أسماؤه كما تتبدل صفحات التاريخ، وكل اسمٍ يحكي مرحلةً من حياة القدس؛ فسُمِّي باب شرف الأنبياء؛ نسبةً إلى الحارة المجاورة له، ثم عُرف في العصر المملوكي بـباب الدودارية؛ لقرب المدرسة الدودارية منه، وأطلق عليه المقدسيون اسم باب العَتَم؛ لأن الداخل إليه من خارج المسجد يعبر ممرًّا يغلب عليه الظل، حتى إذا اجتازه انفتح أمامه نور ساحات الأقصى، وفي العصر الحديث حمل اسم باب الملك فيصل؛ تخليدًا لدخول الملك فيصل بن الحسين منه إلى المسجد الأقصى سنة 1933م.

ولعل أجمل ما في هذا الباب أن معناه يسبق شكله؛ فمن الخارج يعبر الزائر ممرًّا هادئًا معتمًا، فإذا تجاوزه انكشفت له رحاب الأقصى دفعةً واحدة، وكأن الطريق يعلّم الداخل أن النور كثيرًا ما يولد بعد العتمة، وأن الوصول إلى الأماكن العظيمة يسبقه دائمًا شيءٌ من المجاهدة والصبر.
وهكذا يبقى باب شرف الأنبياء أكثر من معبرٍ في سور المسجد؛ إنه عتبةٌ تختصر تاريخ القدس كلَّه، تتبدل أسماؤها، وتتعاقب عليها الدول، ويبقى مقصدها واحدًا: أن تفتح للقادمين بابًا إلى الأقصى، وأن تفتح معهم في القلوب بابًا إلى اليقين، بأن ما باركه الله لا تنال منه السنون، ولا تُغيّر من جلاله تقلبات الزمان.


