في فسحةٍ من فسحات الأقصى، حيثُ يهدأُ الحجرُ قليلًا ليفسح المجالَ للظلّ، تقفُ زيتونةٌ كأنها ذاكرةٌ خضراءُ لا تشيخ… وحولها يدورُ الماء، في سكونٍ يشبه الذِّكر، وفي خفوتٍ يشبه الدعاء.
هنا، شمالَ سبيل الكأس، ينبثقُ “سبيلُ الزيتونة” لا بوصفه معلمًا من حجرٍ فحسب، بل بوصفه مشهدًا يلتقي فيه النباتُ بالماء، والتاريخُ بالحكاية.

في قلبِ هذا السبيل، تقفُ الشجرةُ كما لو كانت عمودَ المعنى، تتوزع حولها الصنابيرُ كأنها أيدٍ ممدودةٌ إلى عطشٍ قديم، لا ترويه قطرةٌ واحدة، بل يرويه حضورٌ ممتدّ.
ليست زيتونةً عاديةً في فناء، بل شجرةٌ حملت اسمًا وحكاية؛ قيل إنها “زيتونة النبي” و”زيتونة المِلّة”، وقيل — في ذاكرة الناس — إن يدًا نبويةً غرستها، فصار الغرسُ دعاءً، وصارت الشجرةُ أثرًا لا يُمحى.
وحين تمرُّ بها، لا ترى جذعًا وأغصانًا فقط، بل ترى ما تعلّق بها من الأزمنة؛ ترى مواسمَ كانت تُرفع فيها البيارق، وتلتفُّ القلوب حولها كما تلتفُّ الأيدي حول الماء، يوم كانت مواكبُ “النبي موسى” تُحيّي المكان، فتجعل من الزيتونة شاهدًا على اجتماع الناس كما هو شاهدٌ على امتدادهم.
ليس السبيل هنا مجرد موردٍ للماء، بل مجلسٌ منسوجٌ من عناصر الحياة: شجرةٌ تعطي، وماءٌ يجري، وحجرٌ يحفظ… كأن المكان يُعيد ترتيب البساطة في صورةٍ كاملة؛ لا صخبَ فيها، ولا ادّعاء، بل جمالٌ ينبت كما تنبت الأوراق، ويجري كما يجري الماء.
هي زيتونةٌ لا تُثمر زيتًا فقط، بل تُثمر معنى.
وسبيلٌ لا يروي العطشَ وحده، بل يروي الحكاية.


