مقالات

د. وليد عبد الحي يكتب: ببيض النمل

يشكل التنبؤ بمسار واقعة معينة أمرا معقدا بمقدار ما كان المسار جزءا من مسار تاريخي طويل، وكان أطراف الواقعة عددا كبيرا، وكان الجزء الأكبر من شارع هذا المسار غير مُضاء، ويطغى على شبكة المصالح التداخل المقصود وغير المقصود، بل ويتباين أطراف الواقعة من حيث درجة العقلانية والمؤسسية في وضع بدائل القرار ثم في اختيار البديل الذي يبدو أنه الأصلح، فبعض الأطراف تشارك في صنع قراراته مؤسسات وأفراد وقوى ضغط وأحزاب، وبعضها ينفرد صانع القرار بكل تفاصيل المسار من ألفه إلى يائه.

إن المواجهة الدائرة في غزة تشكل مركز الحدث، وحولها إقليم هو أعلى أقاليم العالم «عسكرة واستبدادا وعدم استقرار»، ثم تأتي الدائرة الدولية حيث غيلان المسرح التي لا يقل تشابك مصالحها عن درجة فوضى الإقليم، كل ذلك يستدعي تحديد الهدف لكل الأطراف الفاعلة في الميدان ثم مدى توفر الأدوات لهذا الطرف لتحقيق أهدافه ،ليلي ذلك احتمالات اتساع أو انحسار جغرافية الحدث.

ولتصل إلى ذلك، لا بد أن تحسب الأمور ببيض النمل كما قال لينين..، وحتى عند محاولة حساب ذلك ستكون كما قال الشاعر الصيني فانغ يينغ «أعمى يبحث في ليلٍ دامس عن قط اسود دخل إلى كهف مظلم».

الأهداف:

1- تتشارك إسرائيل والولايات المتحدة ودول عربية في هدف مركزي هو اجتثاث المقاومة في غزة كمقدمة لإحباط المقاومة في الضفة الغربية، ونزع الموضوع الفلسطيني من التداول الدولي بشكل تدريجي ومن خلال استئجار دور جديد لسلطة التنسيق الأمني في القطاع.

2- بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتراجع القوى اليسارية في العالم والمنطقة العربية، وبعد الفشل الذريع للتيار القومي في تجاربه كلها ، بقيت التيارات الإسلامية – وبخاصة حركة الإخوان المسلمين – هي الأكثر عافية ولو أن بعض الأمراض تنهشها،لكن هذا الجسد- من منظور خصوم هذا التيار الديني- تم استثماره وإنهاكه في جوانب باطنها خلاف ظاهرها، كما جرى في أفغانستان وفيما سموه الربيع العربي، وفي تأجيج الصراع داخل هذا التيار بخاصة بين الشيعة والسنة منعا لاحتمال انتزاع هذا التيار كراسي السلطة هنا وهناك ، لكن هذا التيار ينطوي في شرائحه على قوى مقاومة عقلانية وواعية وأقل انقيادا أعمى، وأدركت هذه الشرائح أن الضرورة تقتضي أن تتكاتف، فكان محور المقاومة، فكان التشكيك فيه ، ومحاولة زرع الفتن بين قياداته وأنصاره.. وشكلت ضربة «طوفان الأقصى» قبسا وهاجا رسخ ثقة جمهور هذا التيار ووسع قاعدته، فاليسار العربي والقوميون العرب بل وبعض الليبراليين والمسيحيين أغبطهم ما قامت به مقاومة غزة، فالي جانب الخسارة الإسرائيلية، فان الأنظمة العربية والولايات المتحدة شعرت أن طوفان الأقصى سيعيد للحركات الإسلامية المقاومة ألقها ويرسخ أقدامها في الجغرافيا السياسية العربية بل والإسلامية، ومن هنا نفهم الخنق العربي لغزة والتعلل بذرائع أوهى «من بيت العنكبوت» في “تقطير الإمدادات الطبية والغذائية والطاقة لغزة، وكل ما نسمعه هو جعجعة ولا طحنا.. وهنا التقت أهداف الأنظمة العربية وأهداف إسرائيل والولايات المتحدة، فإسرائيل تقوم بالجريمة، والولايات المتحدة تمنع محاسبتها، والأنظمة العربية تقف عند معبر رفح ولا تجتازه إلا بالقدر الذي تقبله إسرائيل أملا في فوز هذا الثالوث برأس المقاومة ولكل دوافعه وأهدافه.

3- أن استمرار النزاع بوجهه الإجرامي الحالي ليس في مصلحة إسرائيل ولا الولايات المتحدة، وقدرة المقاومة على إفشال المسعى الإسرائيلي سيجعل الفترة تطول للحرب الحالية، وفي ذلك إرهاق للجيش الإسرائيلي، وللاقتصاد الإسرائيلي، وللمجتمع الإسرائيلي، ولعل إعلان 28% من يهود إسرائيل –في استطلاع إسرائيلي اليوم- بالتفكير في مغادرة فلسطين مؤشر مقلق لصانع القرار الإسرائيلي، فإذا فشل الجيش في «هدفه المعلن باجتثاث حماس، واستعادة الرهائن والأسرى» فانه يراهن على نفاذ الاحتياطي اللوجستي للمقاومة متكئا على الإقفال العربي والإسرائيلي المحكم عليها، وانتظار أن تنهار المقاومة داخليا ويشتد التذمر ضدها من المجتمع الغزي. ولكنه يدرك أيضا أن استمرار التزايد العددي لخسائره العسكرية، واحتمال موت الأسرى، يشكل ضاغطا عليه.. وهنا تصبح المعادلة واضحة: من يصرخ أولا…

4- الخطورة الأكبر في كل الحسابات اتساع رقعة المواجهة من مستواها المحلي إلى الإقليمي، ومن المؤكد أن إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا وإيران ليسوا راغبين في هذا الاحتمال، ومقياس ذلك هو الدعوات لوقف القتال، لكن ذلك يشير إلى أن هذه الدعوة تنطوي على قدر من الفجوة بين أمريكا التي بدأت تقر بضرورة «هدنة إنسانية» شريطة أن لا تستفيد منها حماس، وبين إسرائيل التي لا تقبل حتى بهذه الهدنة، ويبدو أن الرهان الإسرائيلي هو أن إيران لن تتدخل تحت أي ظرف من الظروف، لكنها قد تقوم بدور «المايسترو» لهجمات مؤذية لإسرائيل من حزب الله ومن أنصار الله ومن المقاومة العراقية، وقد تكون هذه الفجوة هي نقطة الخلاف بين أمريكا وإسرائيل، أما موقف الدول العربية فهو موقف «الملتحق» لا «المبادر».

في ضوء كل ذلك يبدو:

أ‌- إذا كانت المقاومة في موقف صعب فان التصريحات الإسرائيلية تشير إلى نزق إسرائيلي غير معتاد ويداري قدرا غير محتمل من اليأس ، إن الدعوة لضرب غزة بقنبلة نووية على لسان وزير إسرائيلي، وإعلان وزير آخر بأنهم سيقتلون «السنوار» وكأننا في صراع ثأري قبلي، ثم الضغط من أهالي الرهائن على نيتنياهو، والفيديوهات التي تبثها المقاومة عن تصيد جنودهم ، وتزايد الاضطراب في الضفة الغربية، ناهيك عن تحولات تتكرر في مئات الصحف الأجنبية تشير إلى قدر من التغير في النظرة لإسرائيل التي سعت لتكريس صورة الدولة الحضارية في الذهن العالمي والدولة الساعية للسلام، وهو ما جعل ايهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل سابقا، يقول إن نيتنياهو أخطر على إسرائيل من حماس.

ب‌- أن احتمال القبول بهدنة إنسانية أمر وارد، مع تشديد الرقابة على وجهة المساعدات والوقود، وقد يجري تمديد تدريجي على الهدنة ضمن شروط الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين وعددهم كبير،وقد تطرح الولايات المتحدة أو إسرائيل (أو حتى بعض العرب ) فكرة مرابطة قوات دولية في شمال غزة لتشكل فاصلا بين المقاومة وبين مستوطنات غلاف غزة، ويتم التمديد تدريجيا لهذه القوات على غرار ما في هضبة الجولان وفي جنوب لبنان.

ج‌- ستعمل إسرائيل على محاولة جعل التفاوض الدولي (باستثناء موضوع الرهائن) مع سلطة التنسيق الأمني لتدعيم شرعيتها المتهالكة تماما، من خلال الإصرار على أن فتح المعابر يستوجب تواجدها في هذه المعابر، ونشر رجال امن التنسيق الأمني، ومحاولة مراقبة مصروفات السلطة وحرمان المنتمين للمقاومة منها.

ث‌- قد تفلت الأمور من بين أصابع الجميع، وقد تصبح الصواريخ عابرة الحدود هي لغة الحوار ، ولا يجوز استبعاد ذلك ،والوضع الآن هو 50% لهذا الاحتمال.. وأي مبادرة ذكية من أحد الأطراف قد تلجم ذلك، وأي حساب خاطئ أو عن دهاء مبيت قد يرخي عقاله..

مرة أخرى، من يصرخ أولا، ومن يحسبها ببيض النمل..ومع كل هذا ربما.

د. وليد عبد الحي

أستاذ علوم سياسية، الأردن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights