بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)
وهي سورة مكية في الأغلب من أقول العلماء
الليلة العظيمة التي أكرم الله نبيه بنزول الوحي عليه ليلة تستحق الاحتفاء بها في ذاتها ثم هي قد شرفت بين أهل السماء والأرض فينزل فيها الملائكة للدنيا يؤمنون على دعاء المؤمنين وتأتي الجائزة الربانية بمضاعفة الأجور وتكثير الحسنات كأنها عبادة لألف شهر أي أكثر من ثمانين سنة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقد خصت به هذه الأمة
وورد فيها عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل القرآن جملة واحدة، حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونَزَّله جبريل عليه السلام على محمد – صلى الله عليه وسلم – بجواب كلام العباد وأعمالهم)
فالله تعالى العليم الحكيم أنزل القرآن كاملا لبيت العزة في السماء وذكر فيه ما علم من أمور الأحداث والأحوال طيلة البعثة النبوية؛ ثم بعدها أنزله على جبريل مفرقا وفق الأحداث فهذا تنزيل ثان
فشرف الزمان بنزول القرآن في رمضان وشرفت الليلة التي بدأ فيها الوحي
قال الإمام القرطبي في تفسيره: قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي لَيْلَةِ الْحُكْمِ. (وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) قَالَ: لَيْلَةُ الْحُكْمِ. وَالْمَعْنَى لَيْلَةُ التَّقْدِيرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَدِّرُ فِيهَا مَا يَشَاءُ مِنْ أَمْرِهِ، إِلَى مِثْلِهَا مِنَ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، مِنْ أَمْرِ الْمَوْتِ وَالْأَجَلِ وَالرِّزْقِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ الْفَرَّاءُ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَدْراكَ فَقَدْ أَدْرَاهُ. وَمَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِ: وَما يُدْرِيكَ [الأحزاب: 63] فَلَمْ يُدْرِهِ
وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِهَا وَقَدْرِهَا وَشَرَفِهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: لِفُلَانٍ قَدْرٌ، أَيْ شَرَفٌ وَمَنْزِلَةٌ. قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ لِلطَّاعَاتِ فِيهَا قَدْرًا عَظِيمًا، وثوابا جزيلا..
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ فِيهَا كِتَابًا ذَا قَدْرٍ، عَلَى رَسُولٍ ذِي قَدْرٍ، عَلَى أُمَّةِ ذَاتِ قَدْرٍ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَنْزِلُ فِيهَا مَلَائِكَةٌ ذَوُو قَدْرٍ وَخَطَرٍ. وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ فِيهَا الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَقَالَ سَهْلٌ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ فِيهَا الرَّحْمَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِين
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ…وَقِيلَ: عَنَى بِأَلْفِ شَهْرٍ جَمِيعَ الدَّهْرِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ الْأَلْفَ فِي غَايَةِ الْأَشْيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ [البقرة: 96] يَعْنِي جَمِيعَ الدَّهْرِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْعَابِدَ كَانَ فِيمَا مَضَى لَا يُسَمَّى عَابِدًا حَتَّى يَعْبُدَ اللَّهَ أَلْفَ شَهْرٍ، ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِبَادَةَ لَيْلَةٍ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا. َ) [1]
فهي ليلة مشرفة بشرف ما فيها وتنزل فيها الملائكة إلى الأرض تؤمن على دعاء الناس وفيها التقدير السنوي الجزئي بخلاف ما قدره ربنا في الأزل قبل خلق الخلق وقد سماها ربنا في سورة الدخان ليلة مباركة فيها يفرق كل أمر حكيم؛ وهي ليلة يسلم فيها الناس من أذى الشيطان إلى الفجر؛ وهي من أيام شهر رمضان إذ قال الله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) البقرة
وأخرج البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ابتغوها في العشر الأواخر في الوتر منها».
وروى أيوب عن أبي قُلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر.
قال ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير: فأما الحكمة في إخفائها فليتحقق اجتهاد العباد في ليالي رمضان طَمَعاً منهم في إدراكها، كما أخفى ساعة الجمعة، وساعة الليل، واسمه الأعظم، والصلاة الوسطى، والوليّ في الناس.
**
بعد ذلك الحدث وحين أدرك رسولنا عظم المسؤولية وقد استوعب بذكائه ما ينتظره من خطب جليل ودور كبير
وهو ما جلاه له ورقة حين قال يا ليتني فيها جذعا إذ يخرج قومك فسأله أمخرجي هم؟ فقال لم يأت أحد بمثل ما أتيت به إلا عودي…
أتراهم يقولون عنه ساحر أو مجنون أم ماذا…؟ كيف سيخرجونه؟ وماذا عمن يؤمن به وعن أهله؟
كيف سينقلب هذا الحب والتقدير الذي عاش في كنفه طيلة حياته إلى عداء وتكذيب له وما زاد الأمر مشقة على نفسه أن الوحي تأخر عليه فيمر الأمر عليه صلى الله عليه وسلم بين تشوف وتخوف
يستشعر ضخامة الدور ويظن في نفسه عدم القدرة على القيام بالواجب وتحدثه نفسه بما نطقت به من قبل مريم عليها السلام حين قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا
فكان كلما مر بشاهق حدثته نفسه وقتها أن يهوي بنفسه من فوقه تهيبا من المسؤولية من جهة واستثقالا لفتور الوحي وكأنه كان قلقا من أنه ربما فشل في اختبار لا يعلمه
وبينما هو في حيرته وتردده فوق جبل إذا به يرى جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية في ذلك الموقف يملأ ما بين السماء والأرض بقوته وهيبته وعظيم جسمه وأجنحته ويقول له يا محمد أنت رسول الله فتهتز نفسه ويركض لبيته طالبا أن يدثروه إذ من عادة الإنسان حين الجزع أن يشعر بالحاجة إلى الدفء وأن يتغطى بشيء يشعره به
روى مسلم عن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء، قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثيت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى:
«يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ… – إلى- والرُّجْزَ فَاهْجُرْ» قال أبو سلمة: والرجز الأوثان. ثم حمي الوحي وتتابع».
فنزل في هذه الحال صدر سورة المدثر تزيل همه وتبدد قلقه وتؤنس نفسه وتكلفه بالواجب عليه وتجلي دوره المقبل وتبين الطريق لإصلاح النفس وتهذيبها بالتطهر والإحسان للخلق دون من ولا أذى
فهلم نتأمل في ذلك.
•••
[1] – تفسير القرطبي ج 20/131







