ننظر دائما إلى الأجير على أنه شخص محتاج بينما في الحقيقة أن الأجير مسمى لكل مستأجر لأي جهة
ولذا يتسع التعريف ليشمل حتى الأمراء والوزراء.. فالجميع أجراء لدى الأمة.. حتى لقد دخل أحد العلماء مسلما على أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان فقال سلام عليك أيها الأجير..
وما دام الأمير أجيرا عند الأمة فهو يخضع لرقابتها – من جهة – وهو لديه حقوق عليها من جهة أخرى
وبشكل عام فإننا نجمل حقوقا للأجراء ونذكر أهمها فنقول:
احترام العقد وتوفيته
من حقوق الإنسان في العمل أن يعطى الأجير حقه كاملا ويوفى ما يتفق عليه في العقود
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ..) (المائدة:1)
وفي البخاري: عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي، ثم غدر، ورجل باع حراً، فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً، فاستوفى منه، ولم يعطه أجره)
وحذَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظلمهم فقال: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ فقال: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» رواه مسلم وغيره
تعليمهم الحقوق
ولقد أمرنا بأن نوفيهم أجرهم ونعلمهم بحقوقهم
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره*
وأمرنا أن نبادر بإعطائه حقه بمجرد إنجاز العمل
وفي الحديث عن أبي هريرة مرفوعا: أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه وأعلمه أجره وهو في عمله) – رواه ابن ماجة وغيره
لا يكلف بما لا يطيق
-ولا يجوز تكليفه بما لا يطيقه أو إكراهه أو استغلاله أو الإضرار به، وله أن يتقاضى أجرا عادلا مقابل عمله دون تأخير ودون تمييز بين الذكر والأنثى، وهو مطالب بالإخلاص والإتقان، وإذا اختلف العمال وأصحاب العمل فعلي الدولة أن تتدخل لفض النزاع ورفع الظلم وإقرار الحق والإلزام بالعدل دون تحيز
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «… إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» متفق عليه فجاء تصريح رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ» أي خدمكم إخوانكم؛ ليرتفع بدرجة العامل الخادم إلى درجة الأخ!
ولتصبح هذه الضوابطَ العامَّة التي توفِّر الحياة الكريمة لبني الإنسان عمومًا.
كما يجب على صاحب العمل عدم إرهاق العامل إرهاقًا يضرُّ بصحَّته ويجعله عاجزًا عن العمل، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: «مَا خَفَّفْتَ عَنْ خَادِمِكَ مِنْ عَمَلِهِ، كَانَ لَكَ أَجْرًا فِي مَوَازِينِكَ» رواه البخاري وابن ماجه
ملاطفته والتواضع معه
ومن الحقوق التي تُعتبر علامة مضيئة في الشريعة الإسلاميَّة حقُّ الخادم في التواضع معه، وفي ذلك يُرَغِّب الرسول صلى الله عليه وسلم أُمَّته قائلاً: «مَا اسْتَكْبَرَ مَنْ أَكَلَ مَعَهُ خَادِمُهُ، وَرَكِبَ الْحِمَارَ بِالأَسْوَاقِ، وَاعْتَقَلَ الشَّاةَ فَحَلَبَهَا» رواه ابن حبان وأبو يعلى وهو صحيح
ولأن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تطبيقًا لكل أقواله، فإن السيدة عائشة -رضي الله عنها- تروي فتقول: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ خَادِمًا…» رواه مسلم وأبو داود
يقول أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن النَّاس خُلقًا، فأرسلني يومًا لحاجةٍ، فقلت: والله لا أذهب -وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم – قال: فخرجت حتى أَمُرَّ على صبيانٍ وهم يلعبون في السُّوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضٌ بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: “يَا أُنَيْسُ، اذْهَبْ حَيْثُ أَمَرْتُكَ”. قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله. قال أنس: وَاللهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ مَا عَلِمْتُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ وَلاَ لِشَيْءٍ تَرَكْتُ: هَلاَّ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا) أخرجه أحمد وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم
تأمين معيشة كريمة
وهذه نقطة يغفلها البعض -حتى الحكومات- عند تشغيل الموظفين.. فربما يتم التعاقد على الأعمال وتتغير الظروف وترتفع الأسعار ولا تكون هناك مرونة في الرواتب فيحدث بذلك العوز المفضي أحيانا لتزيين الرشا أو التربح من الأعمال وهلم جرا
فلذا لابد من وضع سياسة للرواتب تكون واقعية وتفي حاجة الأجراء لتحقق معيشة كريمة لهم تكفيهم تقلبات الأحوال وتسد كفايتهم بشكل متناسب مع مواهبهم وحالهم
نذكر هنا بالحديث الصحيح: عن الْمُسْتَوْرِدُ بن شداد رضي الله عنه: قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم , يَقُولُ: «مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَّخِذْ زَوْجَةً، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَتَّخِذْ خَادِمًا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَتَّخِذْ مَسْكَنًا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَابَّةً فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً».
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَكْثَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ أَصَابَ سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ سَارِقٌ». رواه ابن خزيمة في صحيحه وصححه الحاكم
فمنح رسول الله -وهو هنا يمثل السلطة أو الدولة- الأجراء في الدولة حقوق وخلاصتها تهيئة ظروف المعيشة الكريمة في: التزويج – السكن – المواصلات – الخادم.. سبحان الله ولئن قلنا أن الناس متفاوتون في الحقوق بحسب وظائفهم ومواهبهم.. لكن لكل منهم نصيبا ليوفر له حياة مناسبة لحاله.
إعطاء أجر المثل
ومن حقوق العامل أن يمنح أجر مثله في نفس الوظيفة ووفقا لنفس الظروف ولو اختلف هذان الشرطان فلا بأس من التفاوت
فالمدرس يأخذ نفس أجر مثيله من المدرسين الذين لديهم نفس التخصص ونفس الخبرة والكفاءة.. لكن يميز كل موهوب فإذا تساوى اثنان في ذلك وفي ظروف العمل (خاص أو حكومي) فإن حق العامل هنا أن يأخذ كزميله
وهكذا بقية الوظائف وألفت النظر إلى تفاوت يتم التفضيل فيه على أساس أن هذا المكان يدر دخلا أكبر من غيره من الأماكن: كمحاسب أو طبيب يعملان في جهة تابعة لوزارات البترول مثلا.. ولا يؤديان أو يتميزان بأي ميزة عن زميل آخر في وزارة أخرى هنا نقول يجب على الدولة أن تساوي بين الجميع في هذه الحالة لأن الكل يتساعد في دولة واحدة والجميع لا غنى لبعضهم عن بعض فالمحاسب في وزارة أخرى لا بد أن يؤثر ولو بشكل غير مباشر في أداء عمل زملائه المميزين في الوزارات الغنية فيجب على الدولة المساواة بين الجميع
عدم استغلال جهل العامل بحقوقه
كثيرا ما يلجأ أصحاب الأعمال إلى مقابلة العاملين والاتفاق معهم على وظيفة براتب أدنى من مثله من الزملاء مثل ما يحدث من تعاقدات لموظفين من دول أخرى ويفاجأ الموظف عند وصوله لمكان عمله أنه تم استغلال جهله لتقليل حقوقه
وهذا ينطبق أيضا على الحقوق المعنوية
ولقد نهى الشرع عن ذلك أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان يتعرض للخديعة في البيع: إذا تبايعت فقل لا خلابة.. ثم أنت بالخيار ثلاثة أيام) رواه البخاري أي لا خديعة ثم أعطاه لذلك الحق في التراجع ثلاثة أيام ليرد السلعة بالعيب
ويمكننا قياس الأمرين بين العقد والبيع فكلاهما معاملة مالية وقد يحدث بها الخداع فلذا من حق العامل أن يدحض العقد عند استبانة البخس بشكل مجحف (والعادة في البيع الإجحاف بحدود الثلث عن سعر السلعة) والله تعالى أعلم
وأيضا ففي البيوع ورد تحريم تلقي الركبان قبل دخولهم الأسواق لأن في ذلك استغلال جهلهم بقيمة بضائعهم في هذا السوق..
ففي كتاب البيوع بالبخاري:
باب النهي عن تلقي الركبان وأن بيعه مردود لأن صاحبه عاص آثم إذا كان به عالما وهو خداع في البيع والخداع لا يجوز
وساق حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التلقي وأن يبيع حاضر لباد)
ويصلح قياس سوق العمل على ذلك أيضا حين يستغل صاحب العمل من يتعاقد معه فيبخسه فيكون كمن يتلقى الركبان في السوق أو يكون كبيع الحاضر (العالم) للباد وهو من البادية (أي يجهل قيمة ما معه من سلعة)
تشغيل الأطفال بين المنع والإباحة
وعندما نتكلم عن تشغيل الأطفال فإننا لا نقصد بذلك المنع التام أو الإباحة المطلقة فهناك صور لا حرج فيها من تشغيل الأطفال ولذلك فإن هذا الموضوع لابد من ضبطه من عدة وجوه منها:
* الحاجة إلى العمل: فقد يكون للوالدين حاجة ملحة للمساعدة في نفقات الأسرة – وبعد استنفاذ كل الوسائل المباحة – لم يكن من سبيل لديهم إلا تشغيل الأطفال وإذا كانت ثم مسؤولية تقع على الوالدين، فمسؤولية أخرى تقع على عاتق الدولة لكفاية الأسرة عن تشغيل أطفالها.
* القدرة على العمل: فإن لبعض الأطفال من المواهب الجسمية والنفسية ما يستطيعون معه أداء ما أسند إليهم من أعمال، لاسيما أن كانت تلك الأعمال يسيرة وغير شاقة كالبيع مثلا،
قد يكون في بعض الأحوال لتشغيل الأطفال فوائد في تنمية قدراتهم وصقل مواهبهم ـ مع الانتباه إلى النقطة السابقة ـ وهو ما يعود بالنفع عليه وعلى أسرته في المستقبل وكثيراً ما تحرص الأسر الفقيرة والمتوسطة على تشغيل أبنائها في فترات الإجازة من الدراسة، ولعل الصبي يكفي شيئاً من نفقاته وقد يساهم ذلك في كفاية الأسرة وهو هدف مشروع، لو وضع في الاعتبار وجود هامش من التسلية والترفيه لا يحرم منه الطفل على أي حال فها هو أنس بن مالك رضي الله عنه -وهو صغير- يعمل خادماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عَنهُ فيقول: ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، ولقد خدمت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ
إذن فالتشغيل لا يجوز إلا في حال الاضطرار وكذلك بما لا يشق على الأطفال وبما لا يسيء إليهم مع ضمان كافة حقوقهم المعنوية والمالية
الكفالة
– الكفالة من الناحية الشرعية عقد يتبرع الكفيل بضمان مكفوله في أداء الحقوق المستحقة عليه سواء بإحضاره لأداء ما عليه من ماله تطوعاً أو بالنيابة عنه في بعض الشؤون فلا يجوز المتاجرة فيه ولا أخذ مقابل على أدائه؛ وأولى نظم الكفالة بالاعتبار شرعا هو نظام كفالة الخروج، وهو أن لا يغادر المغترب البلد إلا بعد أن يوكل كفيلاً يؤدي عنه ما يطالب به من مستحقات -إن وجدت- بعد خروجه، وذاك أمر مقبول يكون فيه كفاية لا يحتاج لغيرها لحفظ حقوق الناس، وهو أيضاً يحفظ حقوق الكفلاء المحسنين الذين قد يورطهم بعض المغتربين في أعمال يقومون بإفسادها وأموال يقومون بإتلافها ثم يتوارون خلف الكفلاء لأن كل المعاملات الرسمية باسم الكفلاء.
صلاحيات قد يساء استغلالها
القوانين الحالية منحت الكفيل صلاحيات واسعة قد يساء استخدامها حتى أن البعض في حالة الخلاف يدعي الكفيل (هروب المكفول) ويفضح المكفول على صفحات الجرائد ؛ وتلك جريمة تستدعي أن تبحث عنه الشرطة، وإن وجدته فانه يوضع في السجن إلى أن يفصل الكفيل في أمره فان رغب الكفيل في إبعاده خارج البلاد ابعد وهو أمر جعل الكفيل فيه الخصم والحكم معا، وهو ما يعرض مصالح المكفولين وحقوقهم للضياع فلا بد من النظر في حقوق المكفولين – كما يجب أيضا مراعاة الكفيل-بما يحفظ حقوقهم وكرامتهم ويمنع من التحكم بهم في شؤونهم الشخصية كقيادة السيارات أو استقدام الزوجات أو تغيير المهن.


