مراعاة سنة التدرج، جريا على سنة الله تعالى في عالم الخلق، وعالم الأمر، واتباعا لمنهج التشريع الإسلامي في فرض الفرائض من الصلاة والصيام وغيرهما، وفي تحريم المحرمات كذلك.
وكذا في الدعوة والتكليف والاجتهاد والسياسة تتطلب تدرجا لحالات فردية او جماعية
لا نقول ان التشريع المستقر في الاحكام يعتريه التدرج فقد قضي الأمر وتم الدين
وانما التدرج هنا يستفاد منه كمبدأ بختاجه المفتي والداعية للتعامل مع واقع كل شخص وحسب قدراته وينطبق هذا على محتمعات بأسرها حسب قربها وبعدها
أوضح مثل معروف في ذلك هو تحريم الخمر على مراحل معروفة في تاريخ التشريع الإسلامي، لا يجهلها دارس.
ولعل رعاية الإسلام للتدرج هي التي جعلته يبقي على “نظام الرق” الذي كان نظاما سائدا في العالم كله عند ظهور الإسلام، وكان إلغاؤه يؤدي إلى زلزلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية،
فكانت الحكمة في تضييق روافده بل ردمها كلها ما وجد إلى ذلك سبيل، وتوسيع مصارفه إلى أقصى حد، فيكون ذلك بمثابة إلغاء للرق بطريق التدرج.
وهذه السنة الإلهية في رعاية التدرج ينبغي أن تتبع في سياسة الناس عندما يراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة اليوم، بعد عصر الغزو الثقافي والتشريعي والاجتماعي للحياة الإسلامية.
فإذا أردنا أن نقيم “مجتمعا إسلاميا حقيقيا” فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بجرة قلم، أو بقرار يصدر من ملك أو رئيس، أو مجلس قيادة أو برلمان.
إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج، أعني بالإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية،
وإيجاد البدائل الشرعية للأوضاع المحرمة التي قامت عليها مؤسسات عدة لأزمنة طويلة.
ولا نعني بالتدرج هنا مجرد التسويف وتأجيل التنفيذ، واتخاذ كلمة التدرج “تكأة” لتمويت فكرة المطالبة الشعبية الملحة بإقامة حكم الله، وتطبيق شرعه،
بل نعني بها تعيين الهدف، ووضع الخطة، وتحديد المراحل، بوعي وصدق، بحيث تسلم كل مرحلة إلى ما بعدها بالتخطيط والتنظيم والتصميم،
حتى تصل المسيرة إلى المرحلة المنشودة والأخيرة التي فيها قيام الإسلام، كل الإسلام.
وهو نفس المنهاج الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير الحياة الجاهلية إلى حياة إسلامية.
ومن المواقف التي لها مغزى ما رواه المؤرخون عن عمر بن عبد العزيز، الذي يعده علماء المسلمين “خامس الخلفاء الراشدين” وثاني العمرين، لأنه سار على نهج جده الفاروق عمر بن الخطاب: أن ابنه عبد الملك ـ وكان شابا تقيا متحمسا ـ قال له يوما: يا أبت، مالك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق!!
يريد الشاب التقي الغيور من أبيه ـ وقد ولاه الله إمارة المؤمنين ـ أن يقضي على المظالم وآثار الفساد والانحراف دفعة واحدة، دون تريث ولا أناة، وليكن بعد ذلك ما يكون!
ولكن الأب الراشد قال لابنه: لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدعوه جملة، ويكون من ذا فتنة()!
يريد الخليفة الراشد أن يعالج الأمور بحكمة وتدرج، مهتديا بسنة الله تعالى في تحريم الخمر، فهو يجرعهم الحق جرعة جرعة، ويمضي بهم إلى المنهج المنشود خطوة خطوة. هذا هو الفقه الصحيح
وهكذا نمضي في دعوتنا وسياستنا وعلاقاتنا بالتدرج من باب الرفق والحكمة والسياسة لا من باب التلبيس او المداهنة او الخداع
بذا نكون مصلحين أوفياء ونمهد لقبول الحق لمن طلبه (وأن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) التوبة
وكم أسلم أناس أو تابوا وكان يستبعد منهم ذلك حين عاينوا وعلموا وذاقوا
اللهم رشدنا وأرشدنا


