الاستكبار والجهل والغرور وعدم تفهم الاختلافات البشرية؛ والأمن من عقاب الله تعالى ومن عقاب القوانين ومن مؤاخذات الساسة والمتحكمين هي مفاتيح العنصرية ومشعلات أوارها؛ تحت أي مبرر من التميز العرقي أو الديني، كما أن التواضع والرأفة والرحمة والتكافل والتفاهم وتقدير الاختلافات الطبيعية والفروق الثقافية والإثنية واتساع الأفق الإنساني وتبادل الثقافات والخوف من عقاب الله تعالى ومن حزم الحكام والقوانين في علاج الظاهرة هي مفاتيح علاج العنصرية
قديما عبر التاريخ تبنى المشركون -كذلك- نظريات مجحفة تنسب لهم نسبا إلهيا وهي عنصرية دينية كبرى تتجاوز التعصب الديني ذاته وتمنحهم نقاط تميز على غيرهم، وبذا تكون هناك مبررات لأي سلوك فيه تمييز ويبرر هذا كل عمليات الاستعلاء في التعامل والتمييز في الحقوق وتعني كذلك سحق المخالفين أو المختلفين معهم
نمرود ينسب لنفسه القدرة على الإحياء والإماتة حين يأمر بالقتل أو الإبقاء ويراها من مطلق حقوقه وقدرته
وفرعون قال سابقا (ما علمت لكم من إله غيري) القصص 24
وقال (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) غافر 29
وقد كانت الطبقات الاجتماعية في مصر الفرعونية تنقسم إلى:
الطبقة الأولى: الفرعون وأسرته.
الطبقة الثانية: الوزير وكبار الكهنة وحكام الأقاليم.
الطبقة الثالثة: الموظفين والفنانين والحرفيين والمهرة.
الطبقة الرابعة: عمال الزراعة والصناعة والرعاة والخدم وصغار أصحاب الحرف المختلفة.
وعلى ذلك فكل طبقة تتحكم في كل ما يليها ولا يحدث العكس ولا يرتقي شخص بشكل تلقائي لطبقة أعلى وتلك مبررات تمييزية تفضي إلى العنصرية
والإمبراطور الياباني هو ظل إلهي ويطلق عليه اسم (تينُّو) وتعني حرفيا «سيادة السماء» ويشار إليه رسميا باسم ميكادو هو إمبراطور دولة اليابان، وقائد الدولة، وعميد العائلة الإمبراطورية اليابانية، كما أنه أعلى سلطة لديانة الشينتو، ويعتبر بحسب تعريف الدستور الياباني الحديث على أنه “رمز للدولة ولوحدة الشعب” فحين يسند تلك الألقاب لشخص فإن هذا سبيل للمعاملة المميزة ولعداء كل من يخاله
ويشبه هذا الطغاة من البشر والملوك والحكام وأتباعهم عبر التاريخ
وتسرب الأمر كذلك لأتباع الأفكار والديانات ورأوا في انتسابهم للدين نفسه مرتبة تؤهلهم ليكونوا سادة الناس وشعب الله المختار وبغض النظر عن عطاء غيرهم أو غنائهم أو قدراتهم أو صلاحهم وصدقهم أو عن إعمال قيم العدل والإنصاف والمساواة والرحمة
وهذا نراه أيضا في أهل الكتابين قال تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) المائدة
وهذا المنطق خلف فكرا عنصريا دينيا انطلقت منه كل جرائم الإبادة العرقية كمثل ما حدث في محاكم التفتيش النصرانية ضد من ليس منهم من اليهود والمسلمين أو في الحروب الصليبية التي أسالت الدماء أنهارا بين المدنيين والحجاج وغيرهم أو ما يفعله اليهود بغيرهم إلى الآن أو ما انبثق عنهم من الأفكار التلمودية والصهيونية؛ فهم يتعاملون مع أشخاص يرونهم أدنى منهم عقلا ومرتبة ودينا ولا محاسبة عليهم فيما يقعلونهم به من جرائم أو ما يلحقونهم به من أذى
قارن هذا سريعا بحكام المسلمين أو بنظرة الإسلام للحاكم تجد فرقا تاريخيا جوهريا
قال تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا..) الكهف 110
فهو بشر؛ ولا يتجاوز أنه بشر؛ ولكن اختص من بينهم بأنه يوحى إليه وأما خلفاؤه فكان نبراسهم ما قاله الصديق لما بويع بالخلافة، فخطب في الناس خطبة اشتملت على أصول الولاية العامة في الإسلام، وعلى إثره ترسخ الأمر من بعده وهذا نص الخطبة:
(يا أيُّها الناس، قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني. أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم. ألا إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم).
وفي رواية أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.
فشخص الحاكم في الإسلام لا يعدو كونه بشرا له ما للبشر من خصائص وحقوق وواجبات ولذا فهو من الأمة وللأمة
دعنا نضرب مثلا مما كان من شأن التعامل مع الحاكم بمساواته بعامة الشعب – بخلاف ما هو شائع من سير النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه – مثلا عكسيا بجبلة بن الأيهم الغساني ملك نصارى العرب الذي جاء مسلما ثم لطم إعرابيا داس طرف ثوبه فطلبوه للاقتصاص منه فأبى وارتد وهو جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر، واسمه المنذر بن الحاروكان ذو ملك ونسب يمتد للأوس والخزرج.
قال الواقدي: شهد اليرموك مع الروم أيام عمر بن الخطاب ثم أسلم بعد ذلك في أيام عمر، فاتفق أنه وطئ رداء رجل من مزينة بدمشق، فلطمه ذلك المزني، فدفعه أصحاب جبلة إلى أبي عبيدة فقالوا: هذا لطم جبلة.
قال أبو عبيدة: فيلطمه جبلة.
فقالوا: أو ما يقتل؟
قال: لا!
قالوا: فما تقطع يده؟
قال: لا، إنما أمر الله بالقود.
فقال جبلة: أترون أني جاعل وجهي بدلا لوجه مازني جاء من ناحية المدينة؟ بئس الدين هذا.
ثم ارتد نصرانيا، وترحل بأهله حتى دخل أرض الروم
فلم يجاملوه وإنما أخذوا الحق للضعيف ولم يعبؤوا أن ارتد عن الإسلام بسبب هذا لأنهم غلبوا المبادئ على المصالح
**
وحتى الديانات الوثنية بها طبقية وليست فقط لطبقة الكهنوت الديني بل لطبقات اجتماعية وكل هذا تقنين وترسيخ للتمييز والعنصرية كالتي في الهندوسية تجعل الطبقات الدنيا خدما للطبقات العليا مهما بلغت مواهبهم ولا يصح زواج من هم بالطبقة الدنيا بمن هم أعلى طبقة وهذا كله أنتج عنصرية في التعامل والقوانين والحقوق
فالنظام الطبقي في الهند هو نظام تقسيم اجتماعي ذو جذور قديمة، -وقد نظمها ورسخها الاستعمار البريطاني فتأمل هذا- فعززته حكومة التاج البريطاني، التي جعلت من التنظيم الطبقي الصارم آلية أساسية للنظام الإداري.
ينقسم الناس في هذا النظام حسب الطبقة (فارنا) والفئة (جاتي)
الطبقة (فارنا): وتشير إلى الطبقات الاجتماعية الأربع التي وُجدت في المجتمع الفيدي، وهي البرهمن والكشاتريا والفايشيا والسودرا. وقد استُبعدت كليةً من نظام الفارنا طائفة تعرف باسم الداليت، وهي طائفة ما زالت تعامل حاليًا معاملة المنبوذين.
الفئة (جاتي): وتشير إلى الأصل. وقد تطورت الفئات في العصور ما بعد الفيدية، وذلك فيما يبدو بتبلور روابط أبناء المهنة الواحدة أثناء الحقبة الإقطاعية
قسم البريطانيون الهنود في الفترة بين عامي 1860 و1920 حسب طبقاتهم، مانحين الوظائف الإدارية والمناصب الرفيعة فقط لأولئك الذين ينتمون إلى الطبقات العليا. غير أن القلاقل الاجتماعية التي وقعت في عشرينيات القرن العشرين أجبرت البريطانيين على تغيير هذه السياسة واتباع سياسة التمييز الإيجابي بتخصيص نسبة معينة من وظائف الحكومة لأبناء الطبقات الدنيا.
الغريب أنه بعد استقلال الهند، صار تقسيم الوظائف على أساس الطبقة أمرًا رسميًا حسب قوائم رسمية تُدرج فيها الطبقات والقبائل المختلفة. وقد فعلت الهند منذ سنة 1950 عدة قوانين ومبادرات اجتماعية لحماية وتعزيز الظروف الاجتماعية لأبناء الطبقات الدنيا. وقد قضت المحكمة العليا الهندية بأن يكون تقسيم الأنصبة عند القبول في الكليات والجامعات والوظائف وغيرها على أساس الوراثة، ولا يُسمح بانتقال تصنيف الفرد من طبقة إلى أخرى.
وتجرم المادة 15 من الدستور الهندي التمييز ضد الطبقات الدنيا، ورغم ذلك تقع أعمال عنف بين الحين والآخر ضد طائفة المنبوذين.


