لا يقتصر الزور السياسي على تزييف الوقائع، أو تحريف الأخبار، أو صناعة الروايات المضللة، بل قد يبدأ في مرحلة أسبق من ذلك بكثير؛ إذ يعمل على إعادة تشكيل الأدوات التي يُفهم بها الواقع السياسي نفسه. فالناس لا يدركون الأحداث مباشرة، وإنما يدركونها من خلال منظومة من المفاهيم والمصطلحات التي تشكل الإطار الذهني الذي يفسرون به مفاهيم مثل: السلطة، والشرعية، والحرية، والديمقراطية، والوطنية، وغيرها من المفاهيم السياسية.
فإذا نجح الفاعل السياسي في إعادة تشكيل هذه المفاهيم، أصبح قادرًا على إعادة تشكيل وعي المجتمع بأكمله، حتى وإن بقيت الوقائع على حالها.
ومن هنا يمثل التضليل الفكري وإعادة هندسة المفاهيم أحد أخطر مسارات الزور السياسي؛ لأنه لا يقوم على الكذب المباشر، ولا على اختلاق الوقائع، وإنما يعمل على إعادة تعريف المعاني، وتغيير المضامين، وإحلال دلالات جديدة محل الدلالات المستقرة، بحيث تبقى الألفاظ كما هي، بينما تتغير الحقائق التي تشير إليها. وعندئذ لا يصبح الخلاف السياسي متعلقًا بالأحداث وحدها، بل يمتد إلى اللغة التي تُفسَّر بها تلك الأحداث، وإلى المعايير التي يُحتكم إليها في الحكم عليها.
ويختلف هذا اللون من الزور عن صور التضليل التقليدية؛ فالكذب المباشر قد يُكتشف بمجرد ظهور الوقائع أو انكشاف الأدلة، أما المفهوم الذي أُعيدت هندسته فإنه قد يبقى فاعلًا لعقود طويلة، لأنه يتحول إلى جزء من الثقافة السياسية السائدة، ويتناقله الناس بوصفه حقيقة مستقرة، دون أن يشعروا بأن معناه قد تغير. ولهذا كان أثره أعمق من أثر الخبر الكاذب، وأبقى من أثر الشائعة العابرة.
ولا يعني ذلك أن المفاهيم السياسية جامدة لا تقبل التطور؛ فالمفاهيم بطبيعتها تتطور بتطور المجتمعات والخبرات الإنسانية، وتتسع دلالاتها أو تضيق بحسب تطور الفكر السياسي والقانوني. غير أن هذا التطور يختلف جِذريًا عن إعادة هندسة المفاهيم لأغراض سياسية؛ فالتطور العلمي يقوم على التراكم المعرفي، والنقاش الحر، وإعادة النظر في ضوء الأدلة والخبرة التاريخية، بينما تقوم إعادة الهندسة السياسية على توظيف السلطة أو الإعلام أو التعليم أو الخطاب الرسمي لفرض معنى جديد يخدم مصلحة سياسية محددة، دون أن يكون لذلك سند علمي أو موضوعي.
ولهذا كثيرًا ما تلجأ الأنظمة السياسية المستبدة إلى المحافظة على الألفاظ التي تحظى بقبول عام، مع تغيير مضامينها تدريجيًا. فتبقى الديمقراطية ديمقراطية في ظاهرها، لكنها قد تُفرغ من مضمونها القائم على التعددية والتنافس وتداول السلطة والمساءلة الشعبية. وتبقى الحرية حاضرة في الخطاب، بينما يُعاد تعريفها بما يجعلها مقيدة بما تراه السلطة مناسبًا. وتظل الوطنية قيمة جامعة، لكنها قد تتحول إلى مرادف للولاء للنظام الحاكم، أو وسيلة لتجريم المخالفين سياسيًا. وهكذا لا يختفي المفهوم، وإنما يُستبقى اسمه ويُستبدل محتواه.
ومن أبرز المفاهيم تعرضًا لهذا النوع من الزور مفاهيم: الدولة، والسلطة، والحكومة، والمجتمع، والديمقراطية، والحرية، والوطنية، والاشتراكية، والشرعية، والسياسة، والأمن القومي، والإرهاب. وقد تختلف المفاهيم التي يعاد تشكيلها من مجتمع إلى آخر، أو من مرحلة تاريخية إلى أخرى، غير أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو أن تغيير معناها يؤدي إلى تغيير الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الواقع السياسي، ويعيد توجيه مواقفهم وسلوكهم بما يخدم غايات الفاعل السياسي.
ومن بين هذه المفاهيم جميعًا، يبرز الخلط بين الدولة والسلطة بوصفه أحد أكثر النماذج شيوعًا وتأثيرًا، لما يترتب عليه من نتائج تمس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الوطن ومن يتولى إدارة شؤونه، وهو ما يستدعي الوقوف عنده بشيء من التفصيل. إذ يُعد الخلط بين الدولة والسلطة من أكثر صور التضليل الفكري شيوعًا في الخطاب السياسي، ومن أكثرها أثرًا في تشكيل الوعي العام؛ لما يترتب عليه من إعادة رسم العلاقة بين الحاكم والوطن، وبين الحكومة والدولة، بحيث تبتلع السلطة مفهوم للدولة ذاتها، فيصبح الاعتراض عليها اعتراضًا على الوطن، بينما يُقدَّم الولاء لها بوصفه معيار الوطنية الصادقة.


