في خبر «عابر جدا» نشر على صفحات صحيفة مصرية «مستقلة جدا»، أطلع وزير الاعلام في «فضفضة مهنية» زملاءه الصحفيين والإعلاميين على رغبته «الفردية جدا» في النهوض بالمهنتين لتحققا تطلعات المجتمع والدولة المصرية، وبعد قراءتي لنص الفضفضة كانت لي بعض الملاحظات:
أولا: في إطار خطة العودة إلى الأصالة اعتمد النظام جلسات «الفضفضة» كأسلوب فرعوني مجرب لاتخاذ قرارات النهوض بالمهن والمؤسسات حيث أن المجالس واللجان والنقابات المقننة والاجتماعات الهيكلية ودراسات الجدوى التنظيمية غير مجدية كما هو معلوم بالضرورة، كذلك أعلى من شأن أهداف الدولة المصرية ليسحق تحقيق تطلعاتها الالتزام بمواثيق شرف المهن، ليس من أجلها حاشا وكلا بل من أجل الوطن.
ثانيا: توحي كلمة «فضفضة» بأنها فعل شخص أراد أن يتخفف من هموم متراكمة بشكل غير رسمي في ساعة صفو مع أصدقائه، لكن بثه نص خطابه عبر الهيئة العامة للاستعلامات وتوجيهه لمن سمح لهم النظام بالعمل في المجال الصحفي والاعلامي، وربطه بين «فضفضته» وتأكيده على تعزيز الاستجابة العملية لتوجيهات الرئيس نقلت المتفرج من مشهد وزير يحلم ويبحث فيمن حوله عن متبنين لآماله إلى مشهد ضابط صف يبلغ مجندي سريته بأوامر القائد.
ثالثا: تحت المظلة الرئاسية، يبحث وزير «الاعلام» عن سبل النهوض بمهنتي «الصحافة والاعلام» اللتان لا تصلحان أن تكونا تحت رعاية أجهزة سيادية، كما يدعو لتنسيق” موجه” يتبنى دعم اعلام موضوعي ونقاش واع ومراجعة للأوضاع في إطار محددات موضوعية وجه بها الرئيس! لتصبح المقارنة بين المفهوم العلمي للموضوعية وموضوعية الوطن، كتلك التي يقرأ عنها المواطن في كتب العلوم السياسية والأخرى التي تصنعها له أمه في البيت!
رابعا: وجه الوزير للاستجابة للأمر الثاني للرئيس وهو تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية الشبابية، ويعد هذا التوجيه اعلانا صريحا عن نزع دور الأحزاب السياسية في اختيار الأفراد لشغل الأدوار السياسية، ويأتي ذلك كمرحلة ثانية بعد أن قام النظام بتسييس المؤسسات البيروقراطية (الإدارية والأمنية) بهدف اضعاف البناء الديمقراطي على المدى الطويل إيمانا منه بأنه المسئول الأول والأخير عن دين المواطن ودنياه.
خامسا: استدل وزير الاعلام بمثالين من أغرب الأمثلة ليبرهن على حضور المواطن المصري في الاعلام!
الأول: هو صفحة وزارة الداخلية على فيسبوك والتي تتبنى عملية القبض على كل من يكون في مرمى اتهام رواد مواقع التواصل سواء كان بحق أو بباطل؛
والثاني: هو منظومة شكاوى المواطنين، وكأن تعبير المواطن عن رأيه لا يجب أن يخرج عن هذا الإطار، وكأن المثالين قد حققا نجاحا يستحق الإشادة.
سادسا: كما وجه الرئيس بتجديد الخطاب الديني فقد أمر بتشكيل الجغرافيا الشعبية المصرية ليكمل صورة الشخصية والهوية المصرية التي يتصورها بحيث يبرز ملامح بعض ميراثها ويطمس أغلبه.
سابعا: يطالب سيادة الوزير زملاءه بالحفاظ على كرامة المواطنين وسمعتهم، ويؤسس لمبدأ أن الاختلاف لا يبرر الإساءة، وأن النقد ليس مرادفا للتشهير، وهو بالطبع مطلب عظيم، غير أن سيادة الوزير لم ينتبه إلى أن كرامة المواطن مفقودة منذ أن قتل لتمسكه بحقه الانتخابي، واعتقل لرفضه التغيير السياسي المسلح، ولأنه «فقير قوي» ولأن بلاده وصفت بأنها «شبه دولة»، وبرغم تواصله مع صندوق الشكاوى التابع لمجلس الوزراء، وبرغم إبلاغه صفحة وزارة الداخلية إلا أن أحدا لم يكترث.
ثامنا: منذ 2013 وحتى اليوم، انقلبت كل المفاهيم إلى ضدها، لذلك فإن الألفاظ التي وردت في «الفضفضة» غطت على أخرى مكتوبة بحبر سري يحتاج لمادة تظهره، فعبارة «الدولة المصرية» لم تعد تمثل الأرض ولا حتى الحكومة والمؤسسات بل أصبحت تمثل زعيمها الفرد ونظامه، و«النهوض بمهنتي الصحافة والاعلام» تعني إعادة توجيه دفتيهما، و«توجيه سيادة الرئيس» مرادفا لتحقيق أوامره، وكلمة «الفضفضة» صارت غطاء رديئا لتوزيع الأدوار، و«المواطنون» هم المؤيدون للنظام.
تاسعا: إن الضامن لسلامة أخلاق المجتمع هو أصل الثواب والعقاب في الإسلام طالما أن المواطن يعيش في بلد إسلامي، وإن تطبيق مواثيق شرف المهن إنما يعتمد على هذا الضامن، فنبل التصرف الذي يغرسه الدين في الانسان هو ما يدفعه للالتزام بآداب التعامل؛ جرب العالم كل الحيل وحتى الآن لم يستطع أن يخلق بديلا ينظم حياة البشر.
عاشرا: يتبنى النظام المصري نموذج رأسمالية الدولة ،وينفذ توجيهات الرأسمالية العالمية، ويحتمي بقوة ترامب الجمهوري، ويراقب عن كثب صعود الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة كرد فعل متوقع لسياسات الرئيس الأمريكي المحطمة لعظام الديمقراطيين ،وتزعمه لتقطيع أوصالهم في منطقة الشرق الأوسط، واخضاعه لإيران، وغضه البصر عن تمدد روسيا والصين؛ ولعلم النظام المصري أن الفترة الحالية هي الأخيرة لترامب فإنه يرتب أوراقه بحيث يظهر ملف الحياة السياسية الديمقراطية والحريات لديه رسميا سليما، ويكون مكملا لطمسه أحداث انقلابه ومذابحه وتغليفه الاتهامات السياسية بأخرى جنائية وتشويهه أي معارضة حقيقية ووصمها بالإرهاب، وبهذه الطريقة يكون قد أمن نفسه من هجمات الديمقراطيين ان هم تمكنوا من الوصول لكرسي الرئاسة الأمريكي.
وأخيرا: يستهدف النظام بفضفضة وزير اعلامه مؤيديه ومخالفيه من داخله، ومعارضيه الليبراليين الذين قبلوا التوافق معه، ولا يوجه خطابه لمناهضيه في أي مكان، ولا يتعلق الأمر من قريب أو بعيد بلم شمل الشعب وانهاء حالة الانقسام، فهو لم يقدم على كل ما فعله لينتهي الأمر ببساطة بمصالحة وطنية







