نشأت الحركات الإسلامية كرد فعل لسقوط الخلافة العثمانية، ولنزع الغطاء الإسلامي الجامع عن رؤوس المسلمين، ولصدمتهم القاسية عندما احتلهم غير مسلمين وأخضعوا أراضيهم لتقسيم سايكس بيكو، ولتعرضهم لإعصار تغريب عنيف تصدعت بفعله الروابط إلى قوميات.
تعتبر جماعة الإخوان المسلمين في مصر هي أقدم الحركات الإسلامية، استطاع مؤسسها حسن البنا نقل هيكلية ومؤسسية جماعات غربية سبقتها ووضع لها نظاما وأهدافا وشروطا للالتحاق بها، فكانت أول بناء سياسي مكتمل يتبني فريضة الجهاد ضد الاستعمار، واستراتيجية الإصلاح داخل الأنظمة الحاكمة المسلمة.
قدمت الجماعة نفسها في اطار اجتماعي ديمقراطي اشتراكي إصلاحي يعارض الحكم الرأسمالي لكنه لا يسعى للانقلاب عليه، ويهدف لعودة لحمة الأمة تحت مظلة خلافة جامعة، مثلها في ذلك مثل التيار الإصلاحي الأوروبي والذي لا يلق قربا من الاشتراكيين الثوريين ولا ترحيبا من الرأسماليين.
احتضنت الجماعة شخصيات تحمل ميولا سياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولذلك قسم المحللون أعضائها لحمائم وصقور، لكن ما جمع كل من استظلوا بمبادئها هو الالتزام بلوائحها وبمرجعيتهم الإسلامية.
خرجت معظم الجماعات الإسلامية المعروفة من عباءة جماعة الاخوان إما لخلافات حول أسلوب الإدارة أو بسبب تبني الفكر الجهادي داخل المجتمعات الإسلامية المستقرة.
لا تقبل الجماعة مخالفة لوائحها الراسخة كما أنها ترفض استخدام العنف طالما كان الحاكم يعترف بالإسلام دينا حقنا للدماء، لكنها تؤيد مبدأ القوة ضد حكم استعماري غير مسلم.
مثلت جماعة الاخوان المسلمين في مصر نموذجا ملهما لشخصيات تحمل هموم الأمة في مختلف البلاد الإسلامية أثناء الاستعمار وبعد الجلاء، فتأسست جماعات تحمل صبغتها لكنها غير مرتبطة بها.
عالميا، كل الجماعات والحركات والنقابات والكيانات التي لا تحمل هوية مؤسسية رسمية تعترف بها الدولة، هي مكونات للجناح الاشتراكي الذي يسعى بكل طاقته للوصول إلى الحكم.
برغم أن الجناح الاشتراكي الثوري يلجأ في النهاية لنفس سياسات الإصلاحيين إلا أنه يتهمهم بالانحراف عن مبادئ الاشتراكية لأنهم لا يصادمون الرأسمالية، ويصم سياسات جماعة الاخوان بالميوعة نظرا لأنها ترى أن التفاوض مع السلطة هو مفتاح تحقيق مبادئ الاشتراكية نظرا لما خبرته عن مدى تجذر الرأسمالية وهيمنتها.
لكشف التطورات الأخيرة للجماعات الإسلامية المتأثرة بفكر جماعة الاخوان في المنطقة الإسلامية، والتي تسببت في ضبابية المشهد العام وصعوبة اصدار احكام على مدى صوابية قرارات قادتها؛ لابد من الحديث عن تراجع اليسار الاشتراكي.
كسبت الاشتراكية جولتها الأقوى بعد نجاح الثورة الروسية حيث تمدد أثرها على حساب الرأسمالية التي أجهدتها الحروب وأنهكت اقتصادها فاضطرت إلى هدنة بعد الحربين العالميتين أسمتها الحرب الباردة.
عندما نجحت القوى الاشتراكية في الوصول لسدة الحكم في كثير من الدول وقعت في خطأين أولهما أنها لم تملك عوامل استمرارها فانتهى بها الحال لاستخدام نفس السياسات الرأسمالية التي دعت للثورة ضدها، وثانيهما أنها استغلت الجماعات الوطنية لتحقق أهدافها ثم منعتها حقوقها السياسية بل وساومتها بين التنازل أو الانقلاب عليها إن تمسكت هذه الجماعات بحقوقها.
بمرور الوقت شعرت الشعوب أنه ليس هناك فرق بين أحلام الاشتراكيين وأطماع الرأسماليين الذين عاد يمينهم ليضرب أوروبا والولايات المتحدة ومستعمراتهم في الشرق ويستعيد نفوذه؛ وبمرور العالم بأزمة اقتصادية خانقة، اكتشف العامة أن الديمقراطيين لا يملكون حلا يحافظ على مستوى الرفاهية الذي اعتادوه، لذلك استسلموا تدريجيا لأصحاب الثروات علهم يجلبون بالقهر ما لم يستطع المثقفون توفيره.
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي تراجعت القيم الاشتراكية واحتاجت إلى داعم مؤثر تستطيع أن تدافع عن وجودها من خلاله، فتسللت من داخل مظالم المستعمرات الإسلامية المقهورة.
كسب الرأسمالي الجولة التالية في الحادي عشر من سبتمبر، ومنذ ذلك الوقت واليسار الاشتراكي يصارع في حروب من اجل البقاء كان آخرها ثورات الربيع العربي وأشهرها طوفان فلسطين.
يعد اليسار الاشتراكي العربي نسخة مدبلجة من الغربي، فهو لم يصنع شخصية تناسب بلاد الإسلام ،ولم يتمكن من صناعة شعبيته الخاصة، لذلك فهو يضطر إلى التطفل على جماعات إصلاحية ذات جماهيرية، فإذا ما اصطدم بالرأسماليين فإنه يصاب بتمزق في أربطة حركاته ويستسلم لمحاولة التوافق معهم.
نظرا لاضطرار الجماعات الاسلامية السياسية لتبني المسار الديمقراطي الاصلاحي فقد نالها بالتأكيد ما نال الكيانات الاشتراكية الكبرى من تراجع، إلا أن هذه الجماعات تنفرد بأنها بكونها ضحية وحشية الرأسماليين لأنها ترفض تنفيذ خططهم، وتنكر الثوريين لأنها لا تتبع فكرهم.
تواجه الاشتراكية منذ نشأتها ثورات داخل حركاتها تؤدي لانقلابات وانشقاقات يمكن كشف آثار أصابع الرأسماليين عليها إذا ما رفعت البصمات؛ ويعتبر التمرد الذي عانت منه جماعة الاخوان المسلمين الأم في مصر وكذلك الجماعات الإسلامية التي تخرجت من مدرستها في مختلف دول المنطقة هي امتداد لتلك الانقلابات.
منذ بداية الألفية، وتحت شعار التأسيس الجديد والتحديث والمراجعة وتمكين الشباب بدأت سلسلة من الثورات الداخلية تستهدف القيادات القديمة داخل الجماعات الإسلامية السياسية وتنادي بإقصائها، وتفرغ لوائحها من قيمها الأصيلة، أما الحركات الإسلامية المسلحة فكان السبيل للتخلص من زعمائها هو الاغتيال الممنهج كما حدث في حركة حماس منذ 2004.
يعمل المجددون عمل اليسار داخل الجماعات الإسلامية السياسية، فهم يدفعون نحو الصدام مع الأنظمة الحاكمة العربية، فإذا ما كشرت عن أنيابها، سعوا نحو التوافق والتطبيع معها؛ أصبح اليوم لكل جماعة إسلامية قيادة شرعية وأخرى منشقة تفرض نفسها إعلاميا.
تنتهي خيوط التراجعات في مواقف الجماعات الإسلامية عند النموذج الأردوغاني الذي يحظى من يحاكيه بدعاية ودعم عالي الجودة، ويوصم مخالفه بالرجعية والتحجر كما حدث لحزب أربكان.
إن ما وصفها الإعلام بانتصارات ومراجعات جماعات الإسلام السياسي والحركات المسلحة الإسلامية في المنطقة تحتاج إلى إعادة نظر، وذلك لأنها تحمل في باطنها تطبيع وإخضاع التيار الإسلامي للرأسمالية في ثوب بطولات.


