كيف يتحكم ممر مائي ضيق لا يتجاوز عرضه بضعة كيلومترات في مصير أكثر من خمس الطاقة والتجارة العالمية؟ يُشكل مضيق ملقا نقطة ارتكاز حيوية تجمع بين الملاحة الدولية والتوازنات الجيوسياسية المعقدة، مع ارتباطه المباشر بأسواق شرق آسيا وإمدادات الخليج العربي.
ومع تصاعد التوترات في ممرات الشرق الأوسط ومساعي الدول المشاطئة لفرض رسوم عبور جديدة، يعود هذا المعبر الاستراتيجي إلى واجهة الاهتمام الدولي ليختبر ثبات سلاسل الإمداد العالمية ومدى قدرة القوى الكبرى على تجاوز مخاطر إغلاقه.
الجغرافيا والأبعاد
يمتد المضيق بشكل قمعي بطول يتراوح بين 800 و900 كم ومساحة 65 ألف كم²، حاصراً مياهه بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند، ويضيق جنوباً ليصل إلى 2.7 كم فقط عند قناة فيليبس.
وتستوعب مياهه نحو 22% من التجارة البحرية العالمية، ومر عبره 23.2 مليون برميل يومياً من النفط في النصف الأول من 2025 (29% من التجارة البحرية للنفط)، متجاوزاً تدفقات مضيق هرمز.
معضلة بكين
تعتمد الصين على المضيق بنسبة 80% لتأمين وارداتها من الطاقة، ما دفع قياداتها لتسمية هذا الاعتماد “معضلة ملقا” والسعي لبناء شراكات أمنية بديلة لحماية حركة صادراتها.
وتتولى إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة التأمين المباشر عبر دوريات مشتركة وآلية التعاون لعام 2007، بينما تدرس يعقوب إندونيسيا مؤخراً مقترحاً للتنسيق حول فرض رسوم عبور تنظيمية.
مخاطر الملاحة
تحد الشواطئ الضحلة (25-27 متراً) والضيق الميداني من مرونة السفن الكبرى، وتزيد من احتمالات التصادم أو التسرب النفطي، فضلاً عن تهديدات القرصنة التاريخية.
ويتسبب إغلاق المضيق في إجبار السفن على استخدام مضيقي لومبوك أو سوندا حول إندونيسيا، مما يضيف أياماً للرحلات البحرية ويرفع كلفة الشحن والوقود عالمياً.
الجذور التاريخية
مثل المضيق مركزاً تجارياً وثقافياً عبر العصور؛ حيث سيطرت عليه إمبراطورية “سريفيجايا” ثم سلطنة “ملقا”، قبل أن يخضع للاحتلال البرتغالي (1511) والهولندي (1641) ثم الهيمنة البريطانية (1824).
الصراع على نقاط الاختناق
تثبت التطورات المتسارعة أن مضيق ملقا لم يعد مجرد خط مائي لنقل البضائع، بل تحول إلى ساحة تنافس استراتيجي تعكس هشاشة النظام اللوجستي العالمي. إن أي اضطراب أمني أو تغيير في قواعد الإدارة الماليّة لهذا الشريان الحيوي من شأنه أن يضاعف الضغوط الاقتصادية على القوى الصناعية الكبرى، مما يدفع الدول إلى تسريع البحث عن مسارات بديلة لضمان أمن الطاقة واستقرار الأسواق الدولية.


