أحدثت المفوضية الأوروبية هزة في كواليس الأوساط المالية برفعها المفاجئ لتقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي لروسيا لعام 2026 إلى 1.3% مقارنة بنحو 1.1% في تقارير الخريف المنصرم، بالتزامن مع خفض قسري لتوقعات نمو اقتصاد الاتحاد الأوروبي ليصل إلى 1.1% فقط.
ويعكس هذا التباين الرقمي، الذي جاء ضمن التقرير الشامل للمفوضية وجرى تداوله على نطاق واسع في كبريات وكالات الأنباء العالمية المتخصصة، تحولاً استراتيجياً في موازين القوى المالية.
وذلك بسبب ابداء موسكو مرونة واضحة في الالتفاف على حزم الحظر الغربي وتوجيه صادراتها بكفاءة، بينما يترنح التكتل الأوروبي تحت وطأة قفزات معدلات التضخم التي يُتوقع أن تلامس عتبة 3.1% على مدار العام الجاري.
ويعزو التقرير هذا التباطؤ الأوروبي الحاد وتراجع مستويات النمو العالمي الإجمالي إلى مستوى 2.8% مقارنة بـ 3.1% سابقاً، إلى الارتفاع الجنوني لكلف التشغيل والطاقة الناجم مباشرة عن اشتعال العمليات الحربية في إيران وتضرر خطوط الإمداد في مضيق هرمز، مما وضع الاقتصاد العالمي في مأزق مركب.
ونقلت التغطيات الصحفية عن مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الاقتصاد، فالديس دومبروفسكيس، اعترافاً صريحاً بأن النزاع المسلح واضطراب الجغرافيا السياسية في منطقة الشرق الأوسط قد وجّها صدمة عنيفة ومباشرة لقطاع الطاقة العالمي، مما وضع القارة العجوز أمام اختبار هيكلي بالغ القسوة في بيئة تجارية دولية تتسم بالتقلب والعدائية.
وفي الوقت الذي عدلت فيه المفوضية نظرتها لروسيا صعوداً في الأجل القصير مع خفض طفيف لعام 2027 عند 1.1%، أبقت على توقعات النمو العالمي للعام المقبل ثابتة عند 3.2% مدفوعة بآمال استقرار الأسواق واستيعاب الصدمات اللوجستية، بعد أن كان النمو العالمي قد سجل 3.4% في عام 2025.
غير أن التحدي الأكبر لبروكسل يكمن في كيفية حماية نسيجها الصناعي من التآكل في ظل الارتفاع المستمر لأسعار النفط والغاز، وهو ما يقلص الهوامش الربحية للشركات الأوروبية الكبرى ويهدد مستويات القوة الشرائية للمواطنين.
ويرى خبراء الاقتصاد الكلي ومحللو أسواق الطاقة الدولية في المعاهد الاستراتيجية الموثوقة أن تباين التوقعات بين موسكو وبروكسل يبرهن على فشل سياسة العقوبات القسرية في شل الحركية النقدية لروسيا، التي نجحت في بناء منظومة تجارية بديلة مدعومة بالطلب الآسيوي القوي والأسعار المرتفعة لموارد الطاقة.
ويؤكد المراقبون أن الاتحاد الأوروبي يدفع الثمن الأكبر جراء اعتماده الطويل على استيراد مصادر الطاقة وتحمله الكلف المباشرة لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، محذرين من أن استمرار مستويات التضخم فوق المستهدفات الرسمية سيجبر البنك المركزي الأوروبي على إبقاء أسعار الفائدة المرتفعة، مما يعمق من حالة الركود التضخمي.


