لم يكن زلزال كولومبيا العنيف، الذي بلغت قوته 7.4 درجة وضرب غرب البلاد صباح 10 أغسطس، مجرد كارثة جيولوجية عابرة، بل كشف حجم الفجوة بين المناطق القادرة على مواجهة الكوارث والمجتمعات الأكثر هشاشة التي تدخل الأزمات وهي تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية والخدمات.
وبحسب أحدث حصيلة أوردتها وكالة الأنباء الماليزية «برناما» نقلًا عن وكالة الأناضول، ارتفع عدد ضحايا الزلزال إلى 234 قتيلًا، فيما بلغ عدد المصابين 1,310 أشخاص، مع انهيار 153 مبنى في عواصم المناطق المتضررة. وتصدرت كالي وبيريرا قائمة المدن الأكثر تضررًا من حيث أعداد الوفيات، بينما امتدت الخسائر إلى كويبدو ومانيزاليس وإقليم تشوكو.
وقع مركز الزلزال على بعد نحو 5 كيلومترات من بلدة سان خوسيه ديل بالمار في إقليم تشوكو، وعلى عمق يناهز 107 كيلومترات، وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية. وسجلت المنطقة هزة ارتدادية بلغت قوتها 5 درجات بعد وقت قصير من الزلزال الرئيسي، ما أبقى فرق الإنقاذ والسكان في حالة تأهب.
لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة.
فالزلزال ضرب نطاقًا يضم مناطق ريفية ونائية ومجتمعات تعاني تفاوتًا واضحًا في مستوى الخدمات، ما جعل الوصول إلى المتضررين أحد أصعب جوانب الاستجابة. وفي الكوارث الكبرى، لا تتوقف الخسائر عند لحظة انهيار المباني؛ إذ يمكن أن تتحول الطرق المتضررة والمستشفيات التي تحتاج إلى الإخلاء والمطارات المغلقة وشبكات الاتصالات المتعثرة إلى عوامل إضافية تهدد حياة الناجين.
وتكشف تطورات الساعات الأولى حجم هذا التحدي. فقد تضررت منشآت صحية وتعليمية وطرق رئيسية، كما توقفت عمليات عدد من المطارات مؤقتًا قبل إعادة تشغيل بعضها تدريجيًا. وأفادت التقارير بأن منشآت صحية في كالي تعرضت لأضرار هيكلية، فيما جرى إخلاء مستشفيات أخرى بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.
وهنا يظهر البعد الاجتماعي للكارثة.
فالمجتمعات الأكثر فقرًا غالبًا ما تكون أقل قدرة على تحمل الصدمات؛ إذ يعيش بعض السكان في مساكن أقل قدرة على مقاومة الزلازل، بينما تفتقر المناطق النائية إلى وسائل النقل السريعة والمرافق الطبية القادرة على استقبال أعداد كبيرة من المصابين. وعندما تتعرض الطرق والجسور والمطارات لأضرار في الوقت نفسه، تصبح عملية نقل المصابين وإيصال الغذاء والمياه والمستلزمات الطبية أكثر تعقيدًا.
وفي كولومبيا، لم تقتصر الأضرار على المنازل. فقد طالت مدارس ومرافق صحية وطرقًا ومنشآت عامة، فيما تعرضت بعض المباني التاريخية لأضرار كبيرة. وأشارت بيانات نقلتها «أجينسيا نوفا» إلى تضرر 1,575 منزلًا وتدمير 37 منزلًا بالكامل، إلى جانب انهيار 61 مبنى سكنيًا وتجاريًا، فيما تأثرت عشرات المدارس والطرق.
ويعني ذلك أن الأزمة الإنسانية لا تنتهي بانتشال العالقين من تحت الأنقاض.
فالآلاف ممن فقدوا منازلهم سيحتاجون إلى مأوى مؤقت، ومياه وخدمات صحية، بينما تواجه الأسر المتضررة خطر فقدان مصادر دخلها إذا تعطلت الأعمال والأسواق ووسائل النقل. كما أن المدارس التي تعرضت للأضرار تحتاج إلى بدائل سريعة حتى لا يتحول النزوح المؤقت إلى انقطاع طويل عن التعليم.
وتزداد صعوبة المهمة في المناطق التي تعاني أصلًا من فجوات تنموية. فالكارثة الطبيعية تضرب المجتمع من نقطة ضعفه، ثم تضاعف تلك النقطة. وإذا كانت الطرق محدودة قبل الزلزال، فإن انهيار جزء منها قد يعزل قرى بأكملها. وإذا كانت الخدمات الصحية محدودة، فإن خروج مستشفى واحد من الخدمة يمكن أن يضغط على منظومة طبية بأكملها.
ومن هذه الزاوية، فإن حجم الخسائر لا يرتبط بقوة الزلزال وحدها، وإنما بدرجة استعداد المجتمع والدولة قبل وقوعه.
وتشير بيانات الاستجابة إلى أن السلطات دفعت بفرق إنقاذ متخصصة إلى كالي والمناطق الأكثر تضررًا، بينما بدأت فرق أخرى من مدن مختلفة في الوصول للمساعدة في عمليات البحث والإنقاذ وتقييم الأضرار. كما أعلنت الحكومة الكولومبية حالة كارثة وطنية لتسهيل حشد الإمكانات وتنسيق الاستجابة.
ويواجه الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييّا الآن أول اختبار وطني كبير بعد أيام قليلة من توليه السلطة في 7 أغسطس. وقد وصل الرئيس إلى بيريرا لمتابعة عمليات الاستجابة والاطلاع على الوضع في المناطق المتضررة، في وقت تحولت فيه الكارثة إلى اختبار مباشر لقدرة الحكومة الجديدة على إدارة أزمة واسعة في بدايات عهدها.
لكن الاختبار السياسي والإنساني لن يتوقف عند عمليات الإنقاذ.
فالمرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيدًا: إعادة بناء المنازل، وإصلاح الطرق، وتأهيل المستشفيات والمدارس، وإعادة تشغيل المرافق العامة، وإيواء الأسر التي فقدت مساكنها. والأهم أن عملية إعادة الإعمار يجب ألا تعني ببساطة إعادة المباني التي انهارت بالشكل نفسه وفي المواقع نفسها.
إعادة البناء تمثل فرصة لتقليل المخاطر المستقبلية، من خلال تشديد معايير البناء، وتحديث المنشآت الحيوية، وتحسين شبكات الطرق والاتصالات، وتعزيز قدرات الطوارئ في المناطق البعيدة عن المدن الكبرى.
وتكشف كارثة كولومبيا بالتالي معادلة تتجاوز حدود البلاد: الزلزال ظاهرة طبيعية، لكن حجم الكارثة الإنسانية يتأثر بدرجة الاستعداد الاجتماعي والاقتصادي والعمراني.
وعندما تكون المناطق الأكثر هشاشة هي نفسها الأبعد عن المستشفيات والطرق والخدمات، يصبح الفقر عاملًا يضاعف أثر الكارثة. لذلك فإن الاستثمار في الوقاية، وتقوية البنية التحتية، وتوفير خدمات الطوارئ في المناطق النائية، لا يمثل إنفاقًا إضافيًا فحسب، وإنما جزءًا أساسيًا من حماية الأرواح وتقليل فاتورة الكوارث المستقبلية.
وهكذا، فإن السؤال الذي تطرحه كولومبيا بعد زلزال 7.4 درجة ليس فقط: كم شخصًا فقد حياته؟
بل أيضًا: لماذا تكون بعض المجتمعات أكثر عرضة للخطر من غيرها عندما تضرب الكارثة؟
والإجابة عن هذا السؤال ستكون، على الأرجح، أهم من أرقام الضحايا نفسها، لأنها تحدد ما إذا كانت عملية إعادة الإعمار ستعيد بناء ما تهدم فقط، أم ستبني كولومبيا أكثر قدرة على الصمود أمام الزلزال المقبل.


