أثارت واقعة ضبط ساعة طائرة مشعة داخل طرد قادم من إسرائيل إلى روسيا تساؤلات بشأن مخاطر الأدوات العسكرية القديمة التي لا تزال تحتفظ بمواد مشعة، رغم مرور عقود على تصنيعها. فقد قررت السلطات الروسية منع دخول الساعة إلى البلاد وإعادة الشحنة إلى إسرائيل، بعدما كشفت الفحوصات أن مستوى الإشعاع الصادر عنها يتجاوز المعدلات الطبيعية بصورة كبيرة، بما قد يشكل خطرا على صحة الإنسان عند التعرض المستمر له.
وأعلنت هيئة الجمارك الفدرالية الروسية، الاثنين 12 أكتوبر 2026، أن موظفي الجمارك في مطار دوموديدوفو بالعاصمة موسكو اكتشفوا الساعة خلال فحص طرد موجه إلى شخص يقيم في جمهورية أودمورتيا الروسية.
وكانت الشحنة تضم حقيبة وحقيبة ظهر، لكن محتوياتها الفعلية لم تتطابق مع البيانات التي قدمها المرسل في الوثائق الجمركية، إذ اقتصرت المعلومات المعلنة على مفاتيح وحقيبة وحقيبة ظهر وملابس، دون الإشارة إلى وجود ساعة طائرة.
إنذار إشعاعي يكشف محتويات الطرد
بحسب البيان الروسي، عثر موظفو الجمارك على الساعة داخل حقيبة الظهر، بينما أطلق نظام مراقبة الإشعاع إنذارا فور اكتشاف مستويات مرتفعة من الإشعاع المنبعث منها.
وأوضحت الهيئة أن مستوى الإشعاع بلغ نحو 20 ضعفا للمستوى الطبيعي، وهو ما دفع السلطات إلى إخضاع القطعة لفحوص إضافية للتحقق من مدى خطورتها ومدى توافقها مع المعايير المعمول بها.
ولم تتوقف الإجراءات عند اكتشاف الإشعاع، إذ أجرى مختصون تابعون للهيئة الفدرالية الروسية لحماية حقوق المستهلك فحصا للمنتج، خلص إلى عدم توافقه مع المتطلبات الجمركية والصحية.
وبناء على نتائج الفحص، قررت السلطات الروسية منع إدخال الساعة وإعادة الطرد إلى إسرائيل، في إجراء يهدف إلى الحيلولة دون وصول قطعة قد تشكل خطرا صحيا إلى داخل البلاد.
وتسلط الواقعة الضوء على أهمية أجهزة الكشف الإشعاعي في المطارات، خصوصا أن بعض المواد الخطرة لا يمكن التعرف عليها من خلال المظهر الخارجي، وقد تكون موجودة داخل مقتنيات تبدو عادية، مثل الساعات والأدوات المعدنية القديمة.
لماذا تصدر الساعات القديمة إشعاعات؟
ترتبط هذه الحادثة بتاريخ استخدام المواد المشعة في صناعة الأدوات العسكرية والملاحية، عندما كانت بعض الشركات تستخدم دهانات تحتوي على عناصر مشعة لجعل المؤشرات والأرقام واضحة في الظلام.
وكان الراديوم من أبرز المواد التي استخدمت لهذا الغرض، خاصة في الساعات المخصصة للطائرات والمركبات العسكرية التي صنعت خلال النصف الأول من القرن العشرين، واستمر استخدام هذه التقنيات في بعض المنتجات حتى عقود لاحقة.
وقد اكتسبت هذه الساعات أهمية عملية في الطيران العسكري، إذ ساعدت الطيارين على قراءة الوقت ومتابعة المؤشرات داخل قمرة القيادة في ظروف الإضاءة المنخفضة، بما في ذلك أثناء العمليات الليلية.
وانتشر استخدام الساعات ذات المؤشرات المضيئة خلال الحرب العالمية الثانية، حين احتاجت القوات الجوية إلى أدوات يمكن قراءتها بسهولة في الظلام.
لكن التطور العلمي كشف لاحقا المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض للمواد المشعة، ولا سيما الراديوم، الذي يمكن أن يتسبب في أضرار خطيرة عند دخول الجسم أو التعرض له بطرق معينة.
وتكمن إحدى المشكلات في أن مرور الزمن لا يعني بالضرورة اختفاء الإشعاع. فبعض النظائر المشعة تظل نشطة لعشرات السنين أو أكثر، وفقا لنوع المادة المستخدمة وخصائصها الفيزيائية، ما يجعل الساعات القديمة مصدرا محتملا للإشعاع حتى بعد انتهاء عمرها التشغيلي.
ولا يعني ذلك أن جميع الساعات القديمة خطرة، إذ يتوقف مستوى الخطر على المادة المشعة المستخدمة وتركيزها وحالة الساعة وطبيعة التعامل معها. لكن اكتشاف مستويات مرتفعة يستدعي التعامل معها بحذر وإخضاعها لتقييم متخصص.
حادثة جديدة تعيد ملف الرقابة إلى الواجهة
لا تعد الواقعة الأخيرة الأولى من نوعها في المطارات الروسية. ففي عام 2024، أعلنت إدارة الجمارك الفدرالية ضبط ساعة طيران مشعة داخل حقيبة مسافر كان متجها إلى الصين عبر مطار شيريميتيفو في موسكو.
وذكرت الإدارة آنذاك أن مستوى الإشعاع المنبعث من الساعة تجاوز المستوى المسموح به بنحو 16 مرة، في واقعة تشبه الحادثة الجديدة من حيث ارتباط مصدر الإشعاع بأداة قديمة تستخدم في الطيران.
ويكشف اختلاف مستويات الإشعاع المسجلة في الحادثتين أن القطع القديمة لا يمكن التعامل معها باعتبارها فئة واحدة متجانسة؛ إذ يتطلب تحديد المخاطر قياس الإشعاع وفحص طبيعة المادة المستخدمة في كل قطعة على حدة.
كما تبرز أهمية الالتزام بالبيانات الدقيقة عند إرسال المقتنيات عبر الحدود، لأن عدم الإفصاح عن وجود أدوات قد تحتوي على مواد مشعة قد يعقد إجراءات الفحص والتعامل معها.
وفي المقابل، لا تتوافر في المعلومات المعلنة تفاصيل كافية لتحديد نوع الساعة المضبوطة حديثا، أو تاريخ تصنيعها، أو المادة المشعة الموجودة فيها، كما لم يُعلن عن هوية المرسل أو ما إذا كان يعلم بطبيعتها الإشعاعية.
في رأيي
توضح هذه الواقعة أن المخاطر المرتبطة بالتقنيات القديمة لا تنتهي بالضرورة بانتهاء استخدامها، وأن بعض المقتنيات التي تحمل قيمة تاريخية أو عسكرية قد تتحول إلى مصدر خطر إذا جرى تداولها دون معرفة مكوناتها.
فالساعة التي صممت في الأصل لتسهيل عمل الطيارين في الظلام يمكن أن تتحول، بعد عقود، إلى قطعة تتطلب إجراءات خاصة في النقل والتخزين والفحص. وتزداد أهمية المسألة عندما تنتقل هذه الأدوات عبر الحدود داخل طرود تجارية أو شخصية لا تعكس بياناتها طبيعة محتوياتها الحقيقية.
ومن المرجح أن تستمر المطارات والجهات الجمركية في الاعتماد على أنظمة الكشف الإشعاعي للتعامل مع مثل هذه الحالات، لا سيما أن الفحص البصري وحده لا يكفي لتحديد وجود مواد مشعة.
لكن المواجهة الفعالة لا تقتصر على ضبط القطع عند وصولها إلى الحدود؛ بل تتطلب أيضا رفع الوعي بمخاطر الساعات والأدوات القديمة، وتشجيع إخضاع المقتنيات المجهولة المصدر للفحص المتخصص قبل تداولها أو نقلها.
وتبقى النقطة الأهم أن الخطر لا يرتبط بعمر الساعة وحده، بل بطبيعة المواد الموجودة فيها ومستوى الإشعاع الصادر عنها. ولذلك فإن التعامل الآمن مع هذه المقتنيات يبدأ بمعرفة مكوناتها، وينتهي باتباع الإجراءات التي تحددها الجهات المختصة، بدلا من التعامل معها باعتبارها مجرد قطع أثرية أو أدوات عسكرية عتيقة.


