سلسلة: اقتصاد الحرب “2”
لم تعد الحروب الحديثة مجرد مواجهات عسكرية تقليدية تُقاس بعدد الجيوش أو مساحة الأراضي التي تُسيطر عليها الدول، بل تحولت إلى معادلات اقتصادية معقدة تقاس بمليارات الدولارات التي تُنفق يومياً. وفي هذا السياق تبرز الحرب الأمريكية على إيران كواحدة من أكثر النزاعات كلفة في العصر الحديث، إذ تشير تقديرات أولية لعدد من مراكز الدراسات العسكرية والاقتصادية إلى أنها قد تصبح ثاني أعلى حرب من حيث التكلفة اليومية في تاريخ الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية إذا استمرت العمليات العسكرية بنفس الوتيرة الحالية.
وتكشف الأرقام أن الحرب لم تعد حدثاً عابراً في التاريخ الأمريكي، بل أصبحت جزءاً من البنية الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة منذ منتصف القرن العشرين. فبعد الحرب العالمية الثانية ارتبطت القوة الاقتصادية الأمريكية ارتباطاً وثيقاً بالقدرة العسكرية وبالإنفاق الدفاعي الضخم، الأمر الذي جعل الاقتصاد العسكري أحد المحركات الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية.
وبحسب تقديرات مراكز بحثية مثل مشروع Costs of War بجامعة براون وتقارير الميزانية الفيدرالية الأمريكية، فإن الولايات المتحدة أنفقت منذ الحرب العالمية الأولى ما يقرب من 10.4 تريليون دولار على الحروب المباشرة بعد تعديل التضخم. هذا الرقم الهائل يعكس حجم الدور الذي لعبته الحروب في تشكيل الاقتصاد الأمريكي خلال القرن الماضي.
تكلفة الحروب الأمريكية بالأرقام
إذا جرى تحليل الحروب الكبرى التي خاضتها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الأولى، فإن الصورة الاقتصادية للحروب تبدو أكثر وضوحاً.
فالحرب العالمية الثانية وحدها كلفت الاقتصاد الأمريكي ما يعادل نحو 4 تريليونات دولار بالقيمة الحالية، وهو أكبر إنفاق عسكري في تاريخ الولايات المتحدة. وفي تلك الفترة وصل الإنفاق الدفاعي إلى ما يقارب 40% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، في تعبئة اقتصادية غير مسبوقة.
أما حرب فيتنام فقد بلغت تكلفتها بعد تعديل التضخم نحو 686 مليار دولار، بينما تجاوزت تكاليف حرب العراق التي بدأت عام 2003 تريليون دولار، وقد ترتفع إلى عدة تريليونات إذا أُضيفت تكاليف الرعاية الصحية للمحاربين القدامى وفوائد الديون.
أما حرب أفغانستان التي استمرت نحو عشرين عاماً، فقد تجاوزت تكلفتها 2 تريليون دولار، لتصبح أطول حرب في التاريخ الأمريكي وأكثرها استنزافاً للموارد على المدى الطويل.
وإذا جُمعت هذه الحروب مع العمليات العسكرية الأخرى التي نفذتها الولايات المتحدة خلال العقود الماضية، فإن الكلفة الإجمالية تتجاوز 10 تريليونات دولار، وهي أرقام تضع الاقتصاد الأمريكي في صدارة الاقتصادات التي أنفقت على الحروب في التاريخ الحديث.
الحرب على إيران: إنفاق يومي بمليارات الدولارات
مع اندلاع الحرب على إيران، بدأت التقديرات الأولية تشير إلى أن العمليات العسكرية الحالية قد تكون من أسرع الحروب استنزافاً للموارد المالية في التاريخ الحديث.
ففي الأيام الأولى من العمليات العسكرية، قدّرت تقارير صادرة عن دوائر في الكونغرس ومراكز بحثية أن الأيام الستة الأولى من الحرب كلفت الولايات المتحدة أكثر من 11 مليار دولار.
كما أشارت تقديرات أخرى إلى أن أول 100 ساعة من العمليات العسكرية وحدها كلفت نحو 3.7 مليار دولار، أي ما يقارب 900 مليون دولار يومياً.
ومع توسع العمليات الجوية والبحرية وارتفاع عدد الضربات العسكرية ضد أهداف داخل إيران، تشير تقديرات أولية إلى أن الإنفاق العسكري قد يتجاوز مليار دولار يومياً في بعض مراحل الحرب.
هذه الأرقام تضع الحرب على إيران في المرتبة الثانية من حيث التكلفة اليومية بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما يعكس طبيعة الحروب الحديثة التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
لماذا أصبحت الحروب الحديثة باهظة التكلفة؟
السبب الرئيسي وراء الارتفاع الكبير في تكلفة الحروب الحديثة يعود إلى التطور التكنولوجي في الصناعات العسكرية.
فالجيوش الحديثة تعتمد على أنظمة تسليح متطورة مثل:
الطائرات الشبحية
الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى
الطائرات المسيرة
أنظمة الدفاع الصاروخي
الأقمار الصناعية العسكرية
وتُعد هذه المعدات من بين الأكثر تكلفة في العالم.
فعلى سبيل المثال، يصل سعر صاروخ “توماهوك” المستخدم في الضربات بعيدة المدى إلى نحو 3 ملايين دولار للصاروخ الواحد.
أما صواريخ الدفاع الجوي المستخدمة لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة فقد تتراوح تكلفتها بين 2 و4 ملايين دولار للصاروخ الواحد.
كما أن الطائرات الشبحية مثل F-35 التي تشارك في العمليات العسكرية يصل سعر الواحدة منها إلى أكثر من 80 مليون دولار، بينما قد تتجاوز تكلفة الطلعة الجوية الواحدة عشرات آلاف الدولارات.
وبحسب تقديرات بعض التقارير العسكرية، فإن الضربات الجوية المكثفة في الأيام الأولى للحرب قد تضمنت استخدام آلاف الذخائر الموجهة بدقة، وهو ما يفسر كيف يمكن أن تصل تكلفة العمليات العسكرية إلى مليارات الدولارات خلال أيام قليلة.







