تواجه الشراكة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والصين خطراً غير مسبوق، بعدما أطلقت بكين تحذيرات شديدة اللهجة مهددة بـ”إجراءات مضادة وقاسية” حال تطبيق أي قيود جمركية جديدة على بضائعها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تبحث فيه المفوضية الأوروبية فرض تدابير حمائية صارمة للحد مما تصفه بالاجتياح الاقتصادي الصيني الذي بات يهدد القلاع الصناعية في القارة العجوز.
بكين ترفض “التمييز” وتلوح بورقة الرد
أعلنت وزارة التجارة الصينية، في بيان رسمي، أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما اعتبرته سياسات تمييزية تستهدف صادراتها.
وأكدت بكين جاهزيتها الكاملة لتفعيل أدوات ردع اقتصادية لحماية مصالحها السيادية، رغم إشارتها إلى أن أبواب القنوات الدبلوماسية ولجان التشاور المشتركة لا تزال مواربة لتفادي الصدام المباشر.
هوة العجز التجاري تثير ذعر المفوضية
تعيش العواصم الأوروبية حالة من القلق المتزايد مع خروج المؤشرات التجارية عن السيطرة؛ إذ قفز العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين إلى مستوى قياسي يناهز 360 مليار يورو العام الماضي، صعوداً من 312 مليار يورو في عام 2024.
وتؤكد البيانات استمرار هذا الاتساع الحاد خلال الربع الأول من العام الجاري (2026)، مدفوعاً بتدفق هائل للسيارات، والألواح الشمسية، والمنسوجات الصينية رخيصة الثمن.
معضلة “الفائض الإنتاجي” وطوفان السلع
تتركز الخلافات الراهنة حول إستراتيجية تصدير الفائض الإنتاجي الصيني، حيث تدفق الشركات الصينية سلعاً بأسعار متدنية للغاية تعجز المصانع المحلية في أوروبا عن منافستها.
وقد دفع هذا الوضع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، لعقد اجتماعات طارئة لصياغة حزمة عقوبات وإجراءات حمائية عاجلة لوقف نزيف الوظائف وإغلاق المصانع.
انقسام المعسكر الأوروبي وتحول الموقف الألماني
رغم الإجماع على خطورة الموقف، لا يزال الانقسام يسيطر على القرار الأوروبي؛ فبينما تقود فرنسا جبهة الصقور المطالبة بضربة جمركية قاسية، كانت ألمانيا تتبنى دائماً خيار التهدئة خوفاً من خسارة أسواقها التصديرية في الصين.
لكن برلين أظهرت مؤخراً تحولاً لافتاً ومفاجئاً يبدي مرونة أكبر لدعم التوجهات المتشددة، وسط تصريحات مسؤولي الصناعة الأوروبية بأن القارة لن تظل ضحية لإستراتيجيات تدميرية.
منعطف الاقتصاد العالمى
في المحصلة، يقف الاقتصاد العالمي أمام منعطف حرج تتقاطع فيه مصالح الأمن القومي مع لغة الأرقام والتجارة الحرة.
وسيكون الاختبار الحقيقي في القدرة على صياغة معادلة تضمن لأوروبا حماية أسواقها المتآكلة دون الانزلاق إلى حرب تجارية شاملة مع التنين الصيني، خصوصاً في مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الإستراتيجية التي يمثل فيها الجانبان عصب الإنتاج العالمي.
ويرجح ذلك أن القادم من الأيام سيشهد صراعاً شرساً لإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي الدولي.


