تتحرك دمشق والمنامة بخطى حثيثة نحو تحريك مياه التعاون الاقتصادي الراكدة وتوسيع آفاق الشراكة الثنائية، حيث تركزت المباحثات الرسمية الجارية بين البلدين على تذليل العقبات المصرفية وتنشيط حركة التبادل التجاري.
وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي العاصمة السورية لاستعادة مسار العلاقات الاقتصادية العربية واختراق حصار العزلة، في وقت تبحث فيه البحرين عن فرص استثمارية وتجارية جديدة تتماشى مع المتغيرات السياسية والاقتصادية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
الأولوية المصرفية لدمشق
أفادت الوكالة العربية السورية للأنباء بتكثيف المساعي واللقاءات الرسمية لبناء قواعد تعاون مصرفي وروابط تجارية جديدة إثر المباحثات المثمرة التي عقدها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني.
وتكتسب هذه القنوات المصرفية أهمية قصوى لدمشق التي تواجه تحديات استثنائية لإعادة تشغيل محركات اقتصادها المنهك وتجاوز التداعيات الثقيلة لسنوات الحرب طويلة الأمد.
إن تحريك المعاملات المالية يُعد شرطاً أساسياً لتوفير بيئة موثوقة تسمح بتحويل الأموال وتسوية المدفوعات وتمويل عمليات الاستيراد والتصدير للشركات والمؤسسات.
لكن تجاوز هذه العقبات لا يتأتى بمجرد الإعلانات الدبلوماسية؛ إذ تظل الترتيبات الإجرائية مرهونة بمؤشرات التوافق مع معايير الامتثال الدولية ومكافحة غسل الأموال وتفادي القيود المصرفية المشددة.
وتحتاج دمشق لمجاوزة صيغ التجارة قصيرة الأجل نحو الاستحواذ على استثمارات إنتاجية وهيكلية تنعكس بصورة مباشرة على خلق فرص العمل وتنمية الإنتاج المحلي.
مكاسب المنامة الاستثمارية
وفى المقابل، يتيح هذا الانفتاح للمؤسسات والشركات البحرينية فرصة واعدة لاستكشاف أسواق جديدة في مجالات الخدمات المالية، وإعادة الإعمار، والبنية التحتية، والصناعة والزراعة.
غير أن التمدد التجاري الاستثماري يظل مقترناً بحسابات دقيقة للمخاطر وتوفر بيئة تشريعية مستقرة تضمن حماية الملكيات وسهولة تحويل الأرباح لضمان انتقال رأس المال من دائرة نوايا التقارب السياسي إلى الالتزامات الاستثمارية الفعلية.
ويتجاوز رهانات هذا التقارب حدود التنسيق السياسي؛ إذ إن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرة القطاعين المصرفيين في كلا البلدين على تسهيل حركة التجارة، وفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة للتواجد الميداني، وتحقيق نتائج اقتصادية تلامس حياة المواطنين السوريين والبحرينيين وتدعم الاستقرار الإقليمي.
وأكدت التغطيات الإخبارية والتقارير الرسمية الصادرة في 25 و26 أكتوبر انطلاق جولات المباحثات الرسمية بين وزيري خارجية سوريا والبحرين لبحث ملفات التنسيق المصرفي وتنشيط الحركة التجارية.
وسلطت التقارير الضوء على حاجة السوق السورية الضرورية لإنشاء آليات مصرفية معتمدة تدعم عمليات التبادل التجاري وتساعد في تجاوز تعقيدات التمويل وتسوية المستحقات المالية.
بين الطموح الدبلوماسي واختبارات الواقع
تثبت مجريات التقارب السوري البحريني أن الإرادة السياسية تشكل المدخل الأساسي لفتح آفاق التعاون، إلا أن نجاح العملية برمتها يظل مرتبطا بالانتقال السريع نحو اتفاقيات تنفيذية ومصرفية ملموسة.
إن قدرة سوريا على تقديم ضمانات استثمارية مشجعة، مقابل مرونة البحرين في تقديم الخدمات المالية والتجارية، ستكون الحاكم الفعلي على مدى تحول هذه المباحثات إلى رافعة اقتصادية تخدم الطرفين في ظل بيئة إقليمية بالغة التحول والتعقيد.
ملاحظات التقارير الاقتصادية
تؤكد التحليلات الاقتصادية أن أي خطوات لتطوير العلاقات المصرفية بين دمشق والمنامة تستوجب حزمة من الضمانات الرقابية والآليات المبتكرة لضمان حماية المؤسسات المالية البحرينية من العقوبات الثانوية.
وتسلط الدراسات المالية الضوء على أن فتح خطوط الائتمان التجاري وتسهيل معاملات الشركات الصغيرة والمتوسطة بين البلدين ينبغي أن يتزامن مع إصلاحات هيكلية في بيئة الاستثمار السورية ووضوح التشريعات المالية.
واقعية المخاطر وفرص الاختراق
تثبت معطيات المشهد أن توسيع التعاون المصرفي والتجاري بين سوريا والبحرين ليس مجرد قرار سياسي يتم اتخاذه في أروقة وزارات الخارجية، بل هو معركة إجرائية حذرة تشترك فيها البنوك المركزية ومؤسسات الامتثال.
إن نجاح الجانبين في إيجاد قنوات مالية آمنة ومبتكرة سيمثل طوق نجاة للتجارة السورية ونموذجاً يُحتذى به لإعادة دمج دمشق في منظومة الاقتصاد العربي، بينما سيبقي التردد في مواجهة جدار العقوبات هذه المباحثات في إطار الأهداف الدبلوماسية دون أثر ملموس على أرض الواقع.


