يُعد غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق لجيش الاحتلال وزعيم حزب “يشار”، واحداً من أبرز العقول العسكرية التي صاغت وشرّعت أدوات التدمير المنهجي في المؤسسة الأمنية للكيان.
ومن خلال إشرافه على تنفيذ “عقيدة الضاحية” القائمة على الاستخدام المفرط وغير المتناسب للقوة في لبنان وغزة، رسخ آيزنكوت نهجاً إبادياً يستهدف المدنيين والبنى التحتية، ليتحول لاحقاً من شريك مباشر في إدارة حرب الإبادة والدم الفلسطينى الحر، إلى أحد أبرز المنافسين السياسيين الساعين لإزاحة بنيامين نتنياهو.
الجذور والنشأة العسكرية والشرقية
ينحدر آيزنكوت من عائلة يهودية مغربية هاجرت إلى فلسطين، ونشأ في مدن الهامش مثل طبريا وإيلات ضمن ظروف “إسرائيل الثانية” التي عانت من التهميش التاريخي لليهود الشرقيين:
المسار في “غولاني”: اختار الانضمام إلى لواء المشاة “غولاني” بدلاً من الوحدات النخبوية، متدرجاً في الرتب الميدانية حتى شارك في اجتياح لبنان عام 1982، وتجاوز إصابات متعددة بنيران صديقة ليبني سجلاً ميدانياً قاده لتولي قيادة اللواء لاحقاً.
صعود حذر: تدرج في المناصب الرفيعة كسكرتير عسكري لرئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك، ثم قائداً لفرقة الضفة الغربية إبان الانتفاضة الثانية حيث أشرف على عمليات “جز العشب” والاقتحامات الدموية للمدن الفلسطينية.
عقيدة الضاحية: هندسة الدمار الشامل
برز اسم آيزنكوت بصورة استراتيجية إبان حرب لبنان الثانية عام 2006، حين صاغ ما بات يُعرف بـ”عقيدة الضاحية” العسكرية:
استهداف البنى التحتية المدنية: تقوم العقيدة على تفعيل القوة المفرطة وغير المتناسبة وتدمير الأحياء السكنية والقرى واعتبارها قواعد عسكرية لإجبار الحاضنة الشعبية على رفع التكلفة وإسقاط المقاومة.
التطبيق العملي في غزة ولبنان: جرى تطبيق هذه العقيدة بدموية مطلقة في حروب غزة أعوام 2008 و2012 و2014 و2021، وصولاً إلى حرب الإبادة الجماعية المتواصلة التي دمرت أكثر من 80% من مباني القطاع.
التمرس السياسي والانتقال للمعارضة
شغل آيزنكوت منصب رئيس الأركان الواحد والعشرين بين عامي 2015 و2019، حيث ركز على تطوير المناورة البرية و”المعركة بين الحروب”، قبل أن يلتحق بالحياة السياسية عام 2022:
حكومة الطوارئ وهلاك ابنه: انضم عقب أحداث 7 أكتوبر 2023 إلى مجلس الحرب الوزاري وزيراً بلا حقيبة، ليتلقى صدمة مقتل أصغر أبنائه (غال) بعبوة للمقاومة في مخيم جباليا.
الخلاف مع نتنياهو والاستقالة: استقال في يونيو 2024 رفقة بيني غانتس متهمًا نتنياهو بالتورط في حسابات سياسية ضيقة، ليؤسس لاحقاً حزب “يشار!” مستنداً إلى خطابه الأمني ووعوده بإنهاء الانقسام الداخلي وتحقيق الاستقامة السياسية.
وتجسد سيرة الدموى المجرم غادي آيزنكوت التناقض البنيوي داخل كيان الاحتلال، حيث يُقدّم الجنرال الذي هندس أفظع مجازر الإبادة الجماعية كمنقذ سياسي ومصلح ديمقراطي.
ويؤكد هذا المسار أن الخلافات الإسرائيلية الداخلية لم تكن قط على أهداف الحرب أو بشاعتها، بل انحصرت في إدارتها وآليات توظيفها السياسي.
إن عقيدة الضاحية التي صاغها آيزنكوت تمثل انتهاكاً صارخاً لقوانين الحرب، وتستند إلى إحداث دمار هائل ومعاناة متعمدة للمدنيين لتحقيق الردع العسكري.
وتؤكد التحليلات السياسية أن تحول آيزنكوت إلى معارض لنتنياهو يعكس تنافساً على إدارة الدولة العميقة لا خلافاً أيديولوجياً على استراتيجيات العنف والعدوان.