بقلم: د. ولي خان المظفّر
في زمنٍ تتقاذفه العولمةُ اللغوية، وتتهاوى فيه الحصونُ الثقافية أمام عواصف التغريب، ينهض رجلٌ من زاھدان، لا يحمل في يده إلاّ يقينًا راسخًا،
ولسانًا عربيًّا مبينًا، وقلبًا معلّقًا برسالة الإسلام. إنّه العلّامة الشيخ محمد قاسم القاسمي، شيخُ العربية في ديار العجم، وإمامُها بلا منازع،
وصاحب الأثر الروحي والفكري الذي تجاوز حدود القارات، حتى غدا قبلةً للعلماء، ومرجعًا للمفكرين، ونموذجًا للمدارس الإسلامية في أصقاع العالم.
مدرسةٌ في رجل:
من يدخل على الشيخ القاسمي، يشعر أنّه أمام مدرسة كاملة تمشي على قدمين:
فصاحةٌ تسري من نبرات صوته، وهيبةٌ تشعّ من صمته، وعمقٌ فكريٌّ يتدفّق من عباراته.
لم يكن مجرّد معلّم للغة العرب، بل كان معلّمًا لروحها، وناشرًا لسرّها، وحارسًا على أن تبقى رسالةُ القرآن حاضرةً في ألسنة الأمة.
نصف قرنٍ من خدمة العربيّة:
لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا، ظلّ الشيخ القاسمي يشعل القناديل في مدارس الإسلام، من دار العلوم زاھدان ودار العلوم بكراتشي إلى القرى النائية في آسيا الوسطى،
ومن المراكز الإسلامية في الخليج إلى مؤتمرات العلماء في الهند وباكستان وإيران. مشى حيث يحتاجه الناس، ودرّس حيث لم يكن للعربية صوتٌ ولا ظلّ.
كان يقول دائمًا: “العربيّة ليست لغةً نتعلّمها… إنها هويةٌ نُولد بها مع الإسلام.”
إمامٌ يتقدّمه العلماء:
ليس من المبالغة القول إنّ الشيخ القاسمي أصبح إمامًا لغويًا عالمياً؛ يقصده العلماءُ لمشورة، ويتتلمذ عليه المفكرون لأخذ المنهج،
ويعتبره المدرّسون قدوةً في تعليم العربية بأسلوبها الأصيل؛ ذلك الأسلوب الذي يجمع بين البلاغة الجاحظيّة، والروح القرآنيّة، والحكمة الديوبنديّة في آنٍ واحد.
أديبٌ ومبلّغ:
هو في الوقت ذاته أديب عربيٌّ خالص؛ عبارته منقّحة، ومقاماته مشوبةٌ بروح الجاحظ والحريري، وأسلوبه كأنّه من نفَسِ ابن هشام أو ابن رشيق.
وفي ميدان الدعوة، فهو حاملُ مشعلٍ لا ينطفئ، يرى أنّ اللغة العربية هي صراط الأمة العلمي والحضاري، وأنّ الأمة لا تقوم إلا إذا عادت إلى لسانها الأول.
أثرٌ عابرٌ للحدود:
ليس غريبًا أن تجد تلاميذه اليوم أساتذةً جامعيين، وقياداتٍ فكرية، ودعاةً مؤثرين في العالم الإسلامي؛
كلهم يذكرون الشيخ بوقارٍ خاص، كما لو أنّه هو الذي أعاد تشكيل ذائقتهم العربية وهويتهم العلمية.
تحيةُ الوفاء والتقدير:
هذا الكيانُ العلميّ الروحيّ الجليل، الشيخ محمد قاسم القاسمي، لم يكن مجرد أستاذٍ لي، بل كان معلّمًا للوعي، ومهندسًا للعقل، وهادياً إلى أسرار العربية.
وما كتبتُ عنه اليوم إلا غيضًا من فيض، وما مقامُه الحقيقي إلا أكبر مما تسعه الكلمات.
إنّ الأمة التي تنجب مثل الشيخ القاسمي، أمةٌ لم يزل فيها خير، ولم ينطفئ فيها السراج.


