عادت رياح الأزمات المالية لتعصف باقتصادات القارة الآسيوية، مستحضرةً ذكريات مريرة من أزمة عام 1997 الشهيرة” أزمة الانهيار المالى لتايلاند واندونيسيا وكوريا الجنوبية والفلبين”، إثر الاضطرابات الحادة في إمدادات الطاقة الناتجة عن التوترات الجيوسياسية الراهنة.
وبحسب تقارير موسعة لشبكة “CNBC” ووكالات الأنباء العالمية، يواجه القوس الآسيوي ضغوطاً خانقة على العملات المحلية واتساعاً في العجز التجاري، وهو ما دفع دولاً مثل تايلاند لترشيد الوقود، بينما أعلنت الفلبين حالة الطوارئ لمواجهة التداعيات.
ومع ذلك، يجمع خبراء الاقتصاد على أن المشهد الحالي، رغم تشابهه الظاهري مع “أزمة التسعينيات”، يمثل “صدمة في الحساب الجاري” ناتجة عن فقدان ثلث احتياجات القارة من النفط عبر مضيق هرمز، بخلاف أزمة 1997 التي كانت “صدمة مالية” بحتة قامت على أنظمة صرف ثابتة وديون قصيرة الأجل واحتياطيات نقدية مهترئة.
احتياطيات كبرى تمنع الانهيار المفاجئ
تؤكد التقارير أن آسيا اليوم تمتلك “دروعاً مالية” أكثر متانة وعمقاً مما كانت عليه قبل ثلاثة عقود؛ فكوريا الجنوبية التي كادت تعلن إفلاسها في أواخر التسعينيات باحتياطيات لم تتجاوز 30 مليار دولار، تحصن نفسها اليوم بأكثر من 400 مليار.
بينما تقف الهند خلف جدار نقدي يبلغ 688 مليار دولار.
ويرى باحثون في مجلس العلاقات الخارجية و”تشاتام هاوس” أن مرونة أنظمة الصرف الحالية تسمح بامتصاص الصدمات تدريجياً وتمنع الانهيارات المفاجئة، وهو ما يمنح الأنظمة المالية قدرة أكبر على المناورة.
وفي هذا السياق، تبرز سنغافورة كنموذج للصمود بفضل تنوعها المؤسسي، بينما تستفيد ماليزيا من مركزها كمصدر للطاقة وقطب جاذب لاستثمارات الذكاء الاصطناعي، مما يخفف من حدة الضغوط النفطية على ميزانيتها العامة.
شبح الركود التضخمي
بيد أن هذا التفاؤل الحذر يواجه تحديات هيكلية؛ إذ تحذر أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين في بنك “ناتيكسيس” الفرنسى، من أن “المساحة المالية” للحكومات باتت أضيق اليوم نتيجة تراكم الدين العام، مما يحد من قدرتها على تقديم حزم دعم واسعة للمستهلكين.
ويشير محللون في مؤسسة “بروكينغز” إلى أن استمرار التصعيد أو استهداف ناقلات النفط قد يجر المنطقة نحو ركود تضخمي، ويجبر البنوك المركزية على التضحية بسندات الخزانة الأمريكية لتوفير السيولة الدولارية والدفاع عن عملاتها الوطنية، وهو ما قد يشعل شرارة “عدوى مالية” ترفع عوائد السندات العالمية وتزيد من تكلفة الاقتراض دولياً.
هل تتحول الصدمة النفطية إلى أزمة نمو شاملة؟
في قراءة لمديري الاستثمارات في “أبردين” وبنك “نومورا” اليابانى، يظل التحدي الأساسي متمثلاً في “عامل الوقت” واستدامة الأزمة؛ فاستمرار انقطاع الإمدادات لفترة طويلة قد يحول موجة التضخم الحالية إلى “صدمة نمو” شاملة تنهك القوى الشرائية للأسر وتؤدي إلى انكماش في المحركات الإنتاجية.
ومع غياب الاختلالات الكبيرة في العملات الأجنبية والديون غير المحمية، يستبعد الخبراء وقوع أزمة شاملة كتلك التي وقعت في التسعينيات، لكنهم يشددون على أن أي تصعيد إضافي قد يزيد من قتامة المشهد الاقتصادي، محولةً آمال التعافي الآسيوي إلى كابوس من الركود الطويل الذي يتجاوز حدود القارة ليضرب قلب الاقتصاد العالمي.


