إذا أردت فهم ما يجري اليوم على الحدود الجنوبية للجزيرة العربية، فلا بد أن تعود بالزمن نحو قرن كامل.
فالقصة ليست مجرد حرب اندلعت عام 2015، وإنما حكاية طويلة بين جارين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ، وحكمت علاقتهما براغماتية سياسية لا تعرف عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل مصالح وتحالفات تتغير بتغير موازين القوى، كما كتب عنها الدكتور خليل عنانى الباحث السياسى بأمريكا.
نشأة التوتر في 1934
كان شمال اليمن خاضعاً لحكم «الإمامة الزيدية» بقيادة الإمام يحيى حميد الدين، بينما كانت المملكة العربية السعودية قد تأسست حديثاً بقيادة الملك عبد العزيز آل سعود.
وكان جنوب اليمن واقعاً تحت الاحتلال البريطاني فيما عُرف بـ«محمية عدن»، حيث حاول الإمام يحيى توسيع نفوذه شمالاً في مناطق عسير ونجران وجازان، باعتبارها أراضي يمنية وفق رؤيته.
حرب 1934
في المقابل، كانت الدولة السعودية الناشئة تعمل على تثبيت حدودها وتوسيع سيطرتها، فتصادم الطرفان وخاضا حرباً قصيرة انتهت بانتصار السعودية.
وفي أعقاب تلك المواجهة، وُقّعت «معاهدة الطائف» عام 1934، التي رسمت الحدود بين البلدين وأقرت بتبعية تلك المناطق للسعودية، على أن تُجدّد المعاهدة كل عشرين عاماً.
ثورة سبتمبر
في 26 سبتمبر 1962، أطاح عدد من ضباط الجيش اليمني «الضباط الأحرار» بنظام الإمامة وأعلنوا قيام «الجمهورية العربية اليمنية» في الشمال، ليتحول اليمن إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة.
وأرسلت مصر في عهد جمال عبد الناصر عشرات الآلاف من الجنود لدعم الجمهوريين، مما أثار تخوفات إقليمية واسعة.
الحرب بالوكالة
خشيت السعودية من تمدد المد الناصري الثوري ووصوله إلى حدودها الجنوبية، وهنا وقع أول التحولات الكبرى؛ إذ سارعت الرياض إلى دعم الإمام محمد البدر، لا حباً في الإمامة، وإنما لدرء خطر وجود جيش ثوري ناصري على حدودها.
وانتهت الحرب بعد انسحاب القوات المصرية عقب 1967، وصولاً لتسوية 1970 باعتراف الرياض بالجمهورية مقابل ضمان أمن الحدود.
إدارة الفاعلين
مع وصول علي عبد الله صالح للحكم عام 1978، تبنّت السعودية استراتيجية تقوم على «إدارة الفاعلين» داخل اليمن عبر بناء شبكات نفوذ وعلاقات مباشرة مع شيوخ القبائل والقوى الدينية والسياسية.
وكان الهدف ضمان النفوذ السعودي ومنع ظهور دولة يمنية قوية قد تحول لمنافس إقليمي أو مصدر تهديد على الحدود الجنوبية للمملكة.
زلزال الخليج
في عام 1990، اتحد شطرا اليمن لتولد «الجمهورية اليمنية» برئاسة صالح، لكن غزو صدام حسين للكويت أربك المشهد؛ إذ اتخذ صالح موقفاً عُدّ مؤيداً لصدام، مما أثار غضباً خليجياً أدى لترحيل مئات الآلاف من العمالة اليمنية.
وعادت العلاقات تدريجياً لتتوج بتوقيع «معاهدة جدة» عام 2000 وترسيم الحدود نهائياً.
حروب صعدة
في جبال صعدة، كانت حركة «الحوثيين» تتشكل ببيئة زيدية وخطاب معاد للسعودية، وخاضت الدولة اليمنية ضدها ست حروب متتالية.
وفي الحرب السادسة عام 2009، امتدت المواجهات للحدود السعودية لتدخل الرياض في صدام عسكري مباشر مع الجماعة، قبل أن ترعى «المبادرة الخليجية» عام 2011 لتنحي صالح ونقل السلطة لنائبه هادي.
انقلاب التحالفات
وقع تحالف غير متوقع بين صالح والحوثيين انتقاماً من خصومه والرياض التي تخلت عنه، بينما تحالفت السعودية مع قوى يمنية لمواجهتهما.
واستغل الحوثيون هذا التحالف واقتحموا العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وسيطروا على مؤسسات الدولة ومخازن الأسلحة الثقيلة لتسقط العاصمة وتبدأ مرحلة أشد خطورة.
عاصفة الحزم
رأت الرياض في سيطرة جماعة تحظى بدعم إيران على العاصمة ومساحات واسعة بمحاذاة حدودها خطراً أمنياً مباشراً، فأطلقت في مارس 2015 «عملية عاصفة الحزم» لإعادة الحكومة الشرعية.
وتحولت العملية لحرب طويلة؛ أطلق خلالها الحوثيون الصواريخ والمسيّرات باتجاه المنشآت الحيوية السعودية، بينما واصل التحالف غاراته ودعمه للقوات المناهضة لهم.
المنازلة الملاحية
بعد سنوات، دخل الطرفان في هدنة غير معلنة منذ ربيع 2022، حتى يوليو الماضي عندما قصفت طائرات سعودية مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط بدعوى خرق الحظر.
ورد الحوثيون بفرض حصار بحري عبر باب المندب، لتبدأ مواجهة ملاحية جديدة تحاول فيها القوات الحكومية حالياً الضغط على الحوثيين وتعديل خريطة السيطرة.
دوامة المصالح والتحديات
تثبت محطات الصراع الممتدة عبر مائة عام أن المعادلة الجيوسياسية بين الرياض وصنعاء محكومة بضرورات الجغرافيا السياسية وأولوية حماية الحدود، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية مع الموازين القبائلية والميدانية المتقلبة.
إن تحول الصراع من نزاع حدودي تقليصي إلى مواجهة ملاحية وأمنية واسعة النطاق يفرض واقعاً معقداً يصعب التعاطي معه بالأدوات العسكرية التقليدية وحدها.
وتستلزم المصلحة الاستراتيجية الشاملة الانتقال من نمط إدارة الأزمات الموقتة إلى بناء إطار استقراري مستدام يؤمن خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، ويوقف النزيف الإنساني والاقتصادي الذي يدفعه الشعب اليمني، بما يضمن حدوداً آمنة للمحيط الإقليمي ودولة يمنية قادرة على التعافي واستعادة دورها الطبيعي.