تثير الأنباء المتداولة بشأن صفقة أسلحة روسية محتملة لإثيوبيا تساؤلات حول مستقبل التوازنات الاستراتيجية في القرن الأفريقي، وانعكاساتها على العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم، في وقت تتداخل فيه أزمة سد النهضة مع التنافس على النفوذ والموانئ والممرات البحرية، والتوترات المتصاعدة بين إثيوبيا وإريتريا.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أن أي تعزيز للقدرات العسكرية الإثيوبية قد يُقرأ في القاهرة وأسمرة باعتباره تحولًا يستدعي المتابعة، خاصة إذا تزامن مع استمرار الخلافات بشأن مياه النيل، وتعثر المسارات السياسية، وتنامي المخاوف من اتساع نطاق الصراعات الإقليمية.
سباق النفوذ في القرن الأفريقي
تكتسب الصفقة أهمية إضافية بسبب توقيتها، إذ أعلنت إثيوبيا في 28 أكتوبر 2026 تسلّم دفعة أولى من مقاتلات روسية من طراز “سوخوي-35″، مع الإشارة إلى حصولها لاحقًا على أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي “إس-400.
ووفقًا لما نقلته مصادر إعلامية ، لم يُعلن عن القيمة الإجمالية للاتفاق أو تفاصيل التمويل، فيما أكدت الشركة الروسية المصدرة للأسلحة تسليم طائرتين ضمن الدفعة الأولى.

وتشير هذه التطورات إلى رغبة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في تعزيز قدرات بلاده العسكرية، بالتزامن مع اضطرابات داخلية وتجدد القتال في إقليم تيجراي، وتصاعد التوتر مع إريتريا بشأن الحدود والوصول إلى البحر الأحمر.
ولا يقتصر الأمر على الجانب العسكري؛ فروسيا تسعى أيضًا إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع إثيوبيا وإريتريا.
لكن الجمع بين تعزيز القدرات العسكرية الإثيوبية وعرض موسكو الوساطة بين البلدين يثير تساؤلات بشأن مدى قدرتها على أداء دور الوسيط المقبول لدى الطرفين.
مخاوف من اختلال التوازن الإقليمي
من ناحية أخري تنظر مصر إلى التحركات العسكرية الإثيوبية ضمن مشهد إقليمي أوسع، تتداخل فيه قضية مياه النيل مع أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فالقاهرة تتمسك بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل سد النهضة، خصوصًا فيما يتعلق بقواعد إدارة المياه خلال فترات الجفاف، بينما ترفض أديس أبابا ما تعتبره قيودًا على حقها في استغلال مواردها المائية.
ومن ثم، فإن تعزيز القدرات العسكرية الإثيوبية قد يزيد المخاوف المصرية من اتساع الفجوة بين المسارين السياسي والأمني، لكنه لا يعني تلقائيًا أن إثيوبيا أصبحت قادرة على فرض إرادتها في ملف السد، فالتوازن الاستراتيجي لا يُقاس بنوعية الطائرات وحدها، بل يتأثر بعوامل اقتصادية وجغرافية ودبلوماسية متعددة.

أما السودان، فتتجاوز حساباته مسألة السد إلى مخاطر انتقال التوتر الإثيوبي الإريتري إلى حدوده الشرقية، وما قد يترتب عليه من اضطرابات أمنية وضغوط إضافية على دولة تعاني أصلًا من الحرب الداخلية. وقد يؤدي أي تصعيد إقليمي إلى تعقيد التنسيق بين القاهرة والخرطوم بشأن مياه النيل وأمن الحدود.
وتشير التقارير إلى أن تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، بالتزامن مع تجدد المواجهات الداخلية الإثيوبية، يزيد احتمالات اتساع الأزمة الإقليمية، وإن كان اندلاع حرب شاملة ليس نتيجة حتمية لهذه التطورات.
فرص تسوية أزمة سد النهضة
في هذا السياق المتوتر من المرجح أن تزيد الصفقة من تعقيدات البيئة السياسية المحيطة بالمفاوضات، خاصة إذا اعتبرت أديس أبابا أن تعزيز قدراتها العسكرية يمنحها هامشًا أوسع للتحرك دون تقديم تنازلات سياسية.
وفي المقابل، قد ترى القاهرة أن استمرار غياب اتفاق ملزم بشأن السد، بالتوازي مع تنامي القدرات العسكرية الإثيوبية، يستدعي تكثيف التحرك الدبلوماسي وتوسيع التنسيق مع دول حوض النيل والبحر الأحمر.
ومع ذلك، لا توجد أدلة كافية على أن الصفقة تستهدف مصر تحديدًا، كما لا يمكن الجزم بأنها ستنهي فرص التوصل إلى تسوية، فإثيوبيا تحتاج إلى الاستقرار الاقتصادي والاستثمارات الخارجية، ومصر تحتاج إلى ضمانات تحمي مصالحها المائية، وهي مصالح تجعل التفاوض ضرورة مستمرة للطرفين.

وقد تصبح الصفقة عامل ضغط متبادل يرفع سقف المواقف، أو تدفع الأطراف إلى البحث عن ترتيبات أكثر جدية لتجنب المواجهة. ويتوقف ذلك على كيفية توظيف التطور العسكري سياسيًا، ومدى استعداد الأطراف للفصل بين الخلافات المائية والتنافس الإقليمي.
من يمول الصفقة في ظل الضغوط الاقتصادية؟
يبقى التمويل أحد أبرز الأسئلة غير المحسومة. فلم تُعلن قيمة الاتفاق أو الجهة التي تتحمل تكلفته بصورة واضحة، ولذلك لا يمكن تأكيد وجود ممول خارجي بعينه أو الجزم بأن الصفقة جرى تمويلها بقرض روسي أو بترتيبات ائتمانية محددة، رغم ن تقارير ربطت بين الصفقةوتمويل إماراتي في ظل العلاقات الوثيقة التي تربط حكام أبوظبي بابي احمد ورغبتهم في الحفاظ علي استثماراتهم المليارية .
وتشمل الاحتمالات النظرية التمويل الحكومي المباشر، أو التسهيلات الائتمانية، أو ترتيبات السداد المؤجل، لكن هذه تظل احتمالات لا معلومات مؤكدة. كما أن التكلفة الفعلية لا تقتصر على شراء الطائرات؛ إذ تشمل التدريب والصيانة وقطع الغيار والتشغيل على المدى الطويل.
وفي المقابل، تسعى موسكو إلى الاستفادة من صادرات السلاح لتعزيز عائداتها ونفوذها السياسي، ما يجعل التعاون العسكري مع إثيوبيا جزءًا من علاقة أوسع تشمل التجارة والطاقة والتعاون الدبلوماسي.
إريتريا أمام اختبار الردع والوساطة
تجد إريتريا نفسها أمام تحدٍ مزدوج: تصاعد التوتر مع جارتها الإثيوبية، وظهور تعاون عسكري روسي قد يعزز قدرات أديس أبابا الجوية والدفاعية. وقد يدفع ذلك أسمرة إلى زيادة تحركاتها الدبلوماسية والبحث عن ضمانات إقليمية، لكنه لا يعني بالضرورة اتجاهها إلى سباق تسلح جديد.
وتزداد حساسية المشهد مع طرح روسيا استضافة محادثات لتهدئة التوتر بين البلدين، بالتزامن مع تسليم الطائرات لإثيوبيا. فنجاح الوساطة يتطلب إقناع الطرفين بأن موسكو قادرة على الاستماع إلى مخاوفهما، لا أن تتحول العلاقة العسكرية مع أحدهما إلى مصدر شك لدى الآخر.
ومن المهم الإشارة إلي أن الصفقة لا تمثل مجرد تطور في القدرات العسكرية الإثيوبية، بل اختبارًا للتوازنات السياسية في القرن الأفريقي. وقد تزيد مخاوف مصر والسودان وإريتريا، لكنها لا تحسم وحدها ميزان القوى ولا تغلق باب التسوية بشأن سد النهضة. وتظل الأسئلة الأهم مرتبطة بشروط التمويل غير المعلنة، وطبيعة الاستخدام السياسي للصفقة، وقدرة القوى الإقليمية والدولية على منع تحول التنافس إلى مواجهة مفتوحة.


