موضوع القدس والأقصى ليس موضوعًا سياسيًا، بل هو موضوع عقيدة، ولهذا فإن الإنجليز لم يستهدفوا وطنًا يهوديًا، ولكن زراعة قوة محاربة مسعورة من ناحية، وصناعة نُظم فاشلة على الضفة الأخرى لتظهر العجز عن المواجهة.
ولأن الإنسان – فردًا أو جماعة أو دولة أو أمة – لا يستطيع العيش والديمومة مع العجز، فلا بد له أن يُخفي عجزه ليستمر في التصالح معه، ولِيُخفي عجزه فلا بد له من تحريف عقيدته للهروب من الحياة مع الشعور بالتأثيم، لأن الإنسان – كل الإنسان، مؤمن وكافر ولا ديني – لا يستطيع الحياة بلا شرف، أو التكيف مع التأثيم، سواء كان التأثيم دينيًا أو قيميًا أو حتى ذاتيًا، طوال عمره، سواء كان فردًا أو جماعة أو دولة أو أمة.
ولهذا تجري في حياة الأفراد والجماعات والدول، عند مواجهة العجز، محاولات للتكيف مع الإثم وانعدام الشرف بحيل متعددة، ولكن الإنجليز قدموا للأمة العربية الحيل المصنوعة بتحريف العقيدة، لتحصل الأمة على التصالح مع انعدام الشرف والخيانة للنفس وللعقيدة والتبلد في مواجهة الضمير، فلا يشعر بالتأثيم.
ولهذا ظهرت مصطلحات التعايش وقبول الآخر والترفيه والفخر بالتاريخ والآثار والمنحوتات، لعلها تسكر ويسكت ضميرها أو يصمت، وقدمته لكافة الأمم العاجزة والتي حاولت السعي للانتقال من عجزها إلى حالة السواء النفسي والتغلب على حالة الشعور بالعجز والتأثيم والخيانة.
ولكن الإجماع على تلك الحالة لم يفلح ولم يكتمل، فظلت جماعات وأفراد لم تصبهم تلك اللوثة من التبلد وموت الضمير، ولم يتصالحوا مع الخيانة ولا انعدام الشرف، ولن يتصالحوا، حتى من تصالحوا لحين ولفترات طويلة تحصل لهم استفاقات مفاجئة، وستظل هذه الصراعات قائمة حتى يوم القيامة.
ولهذا أمرنا ربنا بإعداد القوة ورباط الخيل، ووعد الشهداء بدار الخلد والنعيم لحفظ العقيدة والشرف والضمير.
ومن الجحود بالحقيقة التعامل مع أي صراع في الأرض بعيدًا عن لبه وحقيقته وجذوره، ألا وهو الشرف ومقابله التأثيم، والأمانة ومقابلها الخيانة، وهذا هو المدخل الأول والحقيقي للنقاش والجدال والسجال لأي قضية تثار في الكون.
ولهذا كانت الصراعات البينية والمعارك الدائرة بين أبناء الأمة الواحدة حالة حتمية ومستشرفة في علم الاجتماع الإنساني في مواجهة العجز والشعور بالتأثيم والخيانة، والتي لم يستطع الإنسان التصالح والتكيف معها ولن يستطيع؛ لأن الشرف رتب ودرجات، والتأثيم رتب ودرجات، والشرف الديني والتأثيم الديني فيه الأكبر والأصغر واللمم، والتصالح مع إثم أصغر لا يقتل الشعور بالألم الأكبر، وأداء الأمانة الصغرى والعبادات لا ينسي الخيانة العظمى مع العقيدة.
ولسعي الأفراد والجماعات والدول لتحصيل شيء من الشرف والأمانة وبعض الفخر في أي منحى من مناحي الحياة لتحيا به بين الأمم والجماعات والأفراد، لا يمحو الخيانات العظمى والأمانات الكبار، وستظل حتمية تحصيل الشرف ومحاولات الشعور به ولو لحظات، والتحلل من التأثيم والعيش ببراءة منه ولو لحظات، وقود القيم الذي لن ينقطع؛ لأنه رُكِّب في الفطرة الإنسانية – كل الإنسانية – فأكلت منهم شرفه وإثمه وضميره وقيمه وعقيدته، وستظل القدس والأقصى إلى يوم القيامة من يمنح الشرف ويصم بالخيانة، ويمنح البراءة ويجلل بالتأثيم.
وسواء كنت فى مخدعك مع خليلتك او مغادر لوطنك فى مشارق الأرض ومغاربها او فى حظيرتك مع أنعامك او كنت فى جنتك التى صنعتها لنفسك فأنت لابد تعانى من التاثيم والعار والشعور بالخيانة لنفسك قبل القدس والأقصى لأنهم فى دمك وقلبك وجوارحك ولن تبرا من عارك الا ببراءتهما اى القدس والأقصى من الدنس ولهذا كانت اول رحلات نبيك والصلاة امام بكل الأنبياء والمرسلين فيها!


