الدَّارسُ لتاريخ القُدس وأكنافها من قبل التّاريخ ومن بعده يَعلَمُ أنّ تلك الأرض لم تَغِب عنها الحرب لمائة عامٍ متواصلة، ومِن كافّة الأُمَم من شرقٍ ومِن غربٍ وشمالٍ وجنوبٍ؛ وفي غيابها لم تَغِب الدَّسائس والمكر بمَن فيها.
ولن تتوقَّف الحرب هذه حتى نهاية هذه الدُّنيا، ولن تسقط راية الحَقّ فيها؛ ولو اجتمع عليها مَن في الأرض جميعًا ستظَلّ فيها راية الحقّ مرفوعة يَستظِلُّ بها أجيالٌ تخلُف أجيالٍ يصطفيهم الله مِن عباده؛ فمَن شاء أن يَعتزِلها لاحَقتْه أخبارها في عُقر داره وفي مَخدَعه.
ومَن سَاء فهمه لمجريات التّاريخ والقَدَر وظَنّ أنّه سيتربَّح بتركها أو المقايضة عليها ربّما حقّق عاجل النَّفع، ولكن ما سَيجنِيه في عمره سَيُسلَب منه قبل موته، وأغلاه شرَفه يموت خسيسًا، ويُلحِق ورثته العار؛ ومَنْ دَفَعَه شنئان مَن يرفعون الرَّايَة فهو جاهلٌ، فالولاء ليس لهم، ولكن للحقّ وللرَّاية؛ وكلّ هؤلاء الأجيال التي ترفَع الرّاية اصطفاء ربّهم قَدَرًا لا اختيارًا مع اختلاف مسمّياتهم فهم وسائل لا غايات؛ مَن نكَس ونكَص منهم يبعث الله غيرهم؛ فتلك آية في الأرض كالشّمس لا تغيب يؤمن بها مَن يؤمن، وينكرها مَن ينكرها؛ ولن تغيب حتى يجمعهما الله يوم القيامة، وتكون أرض المحشر والمَنشر لتشهدَ على مَن خان ومَن وفّى.