موانع الهداية والقبول خارجة عن الوحيين. والكلام هنا بشكل خاص لطلبة العلم، لتحديد موطن الداء، وتحقيق مناطه؛ أنه في النفوس، وليس لصعوبة فهم الوحيين: الكتاب والسنة.
ولهذا على طلاب العلم عرض الحق كما هو، ولا يدفعنهم ضعف الاستجابة إلى المداهنة، أو تبديل الأحكام الشرعية. لأنها إذا بُدّلت فلن تجذب لهم إلا المرضى، وهذا خطره على الحق وعليهم عظيم، ولن يعود عليهم وعلى دعوتهم إلا بالبوار.
بارك الله فيكم.
وحتى لا تحتار، فعليك بفهم أن المعقولات تجري مجرى الأدوية للصحة، والشرعيات تجري مجرى الأغذية الحافظة للصحة. وكما أن الجسم متى كان مريضاً لم ينتفع بالأغذية، ولم يستفد بها، بل يتضرر بها، كذلك من كان مريض النفس، كما قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [البقرة: 10]، لم ينتفع بسماع القرآن وهو موضوع الشرعيات، بل صار ذلك ضاراً له ضرر الغذاء للمريض.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)﴾ [التوبة: 124-125].
القلب بمنزلة مزرعة للمعتقدات، والاعتقاد فيه بمنزلة البذر، إن خيراً وإن شراً. وكلام الله تعالى بمنزلة الماء الذي يسقيه، ولذلك سماه ماء. فكما أن الماء إذا سقى الأرض اختلف نباتها بحسب اختلاف البذور، كذلك القرآن إذا ورد على الاعتقادات الراسخة في القلوب اختلفت تأثيراته. وإلى ذلك أشار الله بقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: 4].
وقال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: 58].
والجهل بالمعقولات جارٍ مجرى ستر مرخى على البصر، وغشاء على القلب، ووقر على الأذن. والقرآن لا تُدرك حقائقه إلا لمن كُشف غطاؤه، ورُفع غشاؤه، وأُزيل وقره. ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46)﴾ [الإسراء: 45-46].
وأيضاً، فالمعقولات كالحياة التي بها الأبصار والأسماع، والقرآن كالمُدرَك بالسمع والبصر. وكما أنه من المحال أن يُبصر ويسمع الميت قبل أن يجعل الله فيه الروح، ويجعل له السمع والبصر، كذلك من المحال أن يُدرك من لم تحصل له المعقولات حقائق الشرعيات.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ ۖ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ (53)﴾ [الروم: 52-53].


