في خطوة جيو-اقتصادية بالغة الأهمية تعكس رغبة واضحة في إعادة تموضع بريطانيا تجارياً خارج مظلة القارة الأوروبية، أسدلت لندن الستار على أربع سنوات كاملة من السجال والمفاوضات الشائكة والمعقدة.
وابرمت داونينغ ستريت معاهدة تبادل تجاري وصفت بالتاريخية والمحورية مع دول مجلس التعاون الخليجي الست، وبقيمة تصديرية واستثمارية ضخمة تناهز الخمسة مليارات دولار (ما يعادل 3.7 مليارات جنيه إسترليني).
ويأتي هذا الاختراق الاقتصادي الهائل، الذي حظي بمتابعة وتحليلات مستفيضة من وكالات الأنباء العالمية، ليمنح رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر متنفساً سياسياً وثقلاً استراتيجياً يحتاجه بشدة في كواليس المشهد الداخلي لإثبات قدرة فريقه على صياغة اتفاقيات دولية عابرة للقارات.
إغلاق عهد الضرائب الخمسية
وينص الاتفاق الجديد لعام 2026 على إلغاء الرسوم الجمركية بنسبة 93% عن السلع البريطانية الصادرة إلى الأسواق الخليجية (السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، سلطنة عمان، والبحرين)، مجهضاً بذلك ضريبة موحدة كانت تبلغ 5%، بالإضافة إلى ضرائب مرتفعة طالت السلع الغذائية الفاخرة مثل الشوكولاتة وجبن الشيدر.
انتعاش قلاع الفخامة والدفاع
ويفتح إلغاء هذه الرسوم الجمركية آفاقاً رحبة لقطاعات الطيران، والتصنيع العسكري المتقدم, وصناعة السيارات الفاخرة، والخدمات اللوجستية والضيافة، مما يمنح المصدّرين البريطانيين وصولاً غير مشروط لأكثر الأسواق الاستهلاكية نمواً وقدرة شرائية في الشرق الأوسط.
تحرير البيانات والخدمات البريطانية
وعلى الصعيد التشريعي والفني، شكل الاتفاق تحولاً نوعياً غير مسبوق في منظومة التجارة الرقمية؛ حيث وافقت دول الخليج لأول مرة على السماح للمؤسسات البريطانية بتخزين ومعالجة البيانات خارج النطاق الإقليمي للمنطقة، مما يمنح قطاع الخدمات- الذي يشكل القوة الضاربة للاقتصاد البريطاني بنسبة 80%- وصولاً مضموناً ومحصناً للسوق الخليجية.
حصانة المزارعين
وحظيت الخطوة بإشادات واسعة من غرف التجارة البريطانية والاتحاد الوطني للمزارعين الذي رحب بالحمائية التي فرضتها لندن لمنع خفض معايير الدواجن، لاسيما وأن المملكة المتحدة أصبحت بموجب هذا الاتفاق-الذي يعد الثالث لستارمر بعد الهند وكوريا الجنوبية- أولى قوى مجموعة السبع (G7) التي تنجح في صياغة شراكة حديثة مع مجلس التعاون.
غضب حقوقي ومخاوف السيادة القانونية
وفي المقابل، فجر الاتفاق موجة انتقادات حادة من المنظمات المدنية و”حركة العدالة التجارية” بسبب الخلو التام لنصوص المعاهدة من فصول تتعلق بحقوق الإنسان.
يأتى ذلك وسط تحذيرات قانونية من بنود “حماية المستثمرين” التي قد تمنح الصناديق الخليجية الحق في مقاضاة الحكومة البريطانية مستقبلاً إذا ما تعارضت سياساتها البيئية أو السيادية مع مشروعات البنية التحتية المشتركة.
البراغماتية والتعويض الأوروبي
ويرى خبراء الاقتصاد الكلي في مؤسسات مالية أن هذا التقارب البريطاني الخليجي يمثل إعادة تموضع جيو-اقتصادي حاسم للمملكة المتحدة في مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، مستهدفة اقتناص حصة سوقية رئيسية في واحدة من أغنى الكتل الاستثمارية عالمياً لتعويض التراجع النسبي للتجارة مع القارة الأوروبية.
سباق الموارد
ويؤكد المراقبون أن خفض الكلف الجمركية وتأمين التدفق الحر للمعلومات سيعطي دفعة قوية لقطاعات الخدمات المالية والتكنولوجية في لندن، منوهين بأن تغاضي داونينغ ستريت عن إدراج شروط حقوقية يعكس براغماتية اقتصادية صارمة تفرضها توازنات عام 2026.


