.. جمعني المهندس البحيري في بيته بشبين الكوم مع تسعةٍ من الكرام الطيبين، بعد تزكية العقباوي لي بأنه لم يسمع تدبرًا للفاتحة قدر ما سمعه من أخيكم، فالتقط البحيري الخبر ودعاني مغرب خميس في معسكر (الفاتحة) ببيته، بعدما أخلاه من أهله. وكان الطعام فعلاً لقيماتٍ يقمن الصلب أو الوأد، مع التمر والحليب، وكان ذلك مما أعجبني.
وقبل الفجر استيقظ الجميع، وقام أحدهم بواجب الأذان، فلقد عزمنا على صلاة الفجر جماعةً في ذات المعسكر اللذيذ. ولما همّ المؤذن بقول: الصلاة خير من النوم، قلت له هامسًا: لا داعي لها، فالجميع مستيقظون، فتركها، لكن البحيري لم يتركها وصدح بها. فلما سألته عن إصراره عليها لم يُجب كسلفنجي مقلِّد: (ما دام النبي فعلها فحتماً نفعلها)، وهنا كان الرد سيكون أن النبي ﷺ أقرها لما قالها بلال في حالٍ كان فيه البعض غارقًا في النوم، وأن الأذان للحي كله، وفيه اليقِظ والنائم، أما نحن هنا فكلنا مستيقظون.
لكن البحيري الأستاذ الإخواني أجابني إجابةً أذهلتني: (وحتى وأنا مستيقظ يا حبيبي أحتاج هذه الصرخة كأنها تهزني وتنفضني لكي أُقبل على الصلاة متيقظًا لكل حرفٍ وكلمة، لكل تكبيرةٍ وحمدٍ وتسبيحٍ، توقظني للتدبر والتفاعل الحي، فكثيرون يُقبلون على الصلاة وقد أناموا سمعهم وعقولهم وقلوبهم وتدبرهم).
لم يسعني إلا أن أحتضن الرجل وأغرق رأسه تقبيلًا، مستشعرًا أن هذه الكلمات كانت من أغلى هدايا الهدايات الإخوانية.
.. ومنذ وصلت إلى ألمانيا عقب الانقلاب المرير، وأنا أستمتع بأذان أحدهم، ولن أذكر اسمه عقوبةً له على بغض الربيع العربي انصياعًا وإرضاءً منه لأوغاد الخليج، فهذا المؤذن تجده كأنما يزمع ثورةً وهو يصرخ: الصلاة خير من النوم!
وكنت قبل الانقلاب أفكر أنه يمكن أن يكون أذانه هو الأذان الرسمي للأمة، فكأنه يستنهضها للثورة على النوم والكسل والدَّعَة والتقوقع والتراجع والانهزام والخوف، بالضبط مثلما أمر القرآن النبيَّ بترك الزمال والدثار ليقول له: (قم)، وهو فعل أمر من حرفين، لكنه يأمر بالثورة على كل من يُحبطك ويهزمك ويؤخرك.
ولذلك تجد أنك بعدما تأتمر بأوامر الأذان تدخل إلى الصلاة مكبِّرًا: (الله أكبر)، وسيظل التكبير صرخةً ثائرةً بطول الصلاة، تذكّرك بعظمة ربك وهيبته وقوته وقدرته واقتداره وإحاطته ومعيّته.
نعم، إن الأذان ثورة، والصلاة ثورة، وكلمة التوحيد ثورة، فالإسلام كله ثورة على الجاهلية والغباء والسفاهة والظلم والاستكبار. العالم كله يحتاج هذه الثورة، حتى يتخلص من الغباء الترنباوي، وفي قولٍ آخر: الغباء السيساوي، أو حتى الغباء السنكومبلينزاوي.


