عادل الشريف يكتب: كان يريد أن يرى الله

تواصل معي شاب عراقي بعد حصوله على رقم تليفوني من سوري أعرفه، أريد أن أراك يا شيخ، نفسي تعبة ومنعدم الرغبة في استكمال كل الحياة وبجميع تفاصيلها، حتى أبي وأمي أضحيت زاهدا فيهما وفي كل أهلي، اتفقت معه على الموعد والمكان القريب من منطقة سكن ولدي الأكبر، وكان اللقاء في أول أيام العيد (عصفورين بحجر واحد) رغم أني أبدا لم أقذف العصافير بالحجارة يكفيني أنهم يغردون في حياتنا للمؤانسة والطرب خاصة قبل الشروق مصاحبين للذكر (يا جبال أوبي معه والطير…)، مشكلته أن معظم أصحابه من الشيعة أصحاب دين ضعيف فضلا عن انحراف اعتقادهم، كان يصوم رمضان لكنه لم يكن يصلي، قلت له: تقوم بكوميديا إذ تلج المدرسة الثانوية ولم تنه دراستك الإعدادية، صاحبه أثاره بسؤال: لماذا يختبأ الله عنا، لماذا لا يظهر لنا لكي يجعل إيماننا به صريحا وواضحا.
طلبت منه اصطحابي بسيارته إلى دغل فوق هضبة وبعد صعودنا ووصولنا أخذته نسير فيها ومعظمها معتم لكثافة الأشجار فيها، وبعد خروجنا ونزولنا إلى أسفل قلت له انظر الآن إلى هذه الهضبة التي كنا عليها قبل دقائق، أهل ونحن فيها هل كنت تراها مثل هذه الرؤية الكاملة، أجاب كنا نرى أقل بكثير من عشرها من داخلها، قلت أما هذه الرؤية الشاملة فما كنت تستطيعها وأنت في داخلها أو بجوارها التصاقا، لابد أن تخرج وتبتعد مسافة مناسبة لتستطيع الرؤية الشاملة، فكذلك بالنسبة لربك فاخرج خارج كونه خروجا كاملا لتستطيع بعدها أن تطلب رؤيته، وقد طلب موسى رؤية الله فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرْ موسى صعقا لأنه غير مجهز لرؤية الله الذي هو الأعلى والأكبر والأعظم فكيف أريد أن اراه وأنا محض هلفوت في داخل نقطة محدودة في كونه الرحيب المعجر في تصوره، بل قال الله لموسى بعد أن أفاق من نوبة الصعق يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين، فتلك مهمتنا على الأرض أن نأخذ كلام الله ورسالته بقوة الأخذ ودقته وجدية التفاعل معه فتحل علينا بركات الأخذ القوي الجاد فننجو يوم القيامة ونسعد بلقاء ربنا في الجنان فيزيدنا كرما بالكشف عن أنوار وبهاءات وجلالات وجهه الكريم (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة).
.. منذ نحو عشر سنوات رأيت فيلما عن نسبية الأرض للسماء الأولى فقط، بدأ الفيلم بامرأة جميلة ترتدي فقط مايوه وتمددت على كرسي شاذلونج (سرير بحر) بجوار حمام سباحة لتراها أنت كرجل فربما تشتهيها كأنثى جميلة، لكن الصورة الثانية تأتي بالمحيط الذي حولها وهو النادي الذي فيه حمام السباحة فتتضاءل المرأة كثيرا، ثم في الصورة التي تليها تأتي بالضاحية التي فيها النادي، فتصغر المرأة لدرجة الحشرة، وفي الصورة التي تليها ترى كل المدينة وتغيب تماما صورة المرأة، وبعدها صورة المحافظة التي فيها المدينة، وبعدها صورة الدولة، وبعدها صورة القارة، وبعدها صورة الأرض كلها في محيط كواكبي تكاد الأرض كلها تنعدم فيه أو تكون محض نقطة، فهنا أين المرأة والتي ربما لو اقتربت منها فعلا فربما رأيتها امرأة متكبرة بجمالها وفارغة الروح والفكر، ومجموعة الصور هذه تمنحنا عدة تصورات أهمها مدى تفاهتنا وضآلتنا المادية والتي معها ينمحي كبرنا وتضخم ذواتنا، فلولا الروح المتعلقة بربها والقلب الشاكر واللسان الذاكر لكانت الهوام والحشرات أرجى عند الله منا، وأن لا تنحصر اهتماماتنا في الزخانيق الضيقة من الحياة فنحن ننتمي إلى كون رحب معجز الاتساع والرحابة وربما كان الحوت الأزرق الذي ربما يزن عشرة أطنان هو بمثابة آية من الله أن الله قادر على جعلك أوزن منه وأثقل وأكبر وأعظم، فانقل نفسك وفكرك إلى الرحابة والاتساع والعظمة والطهارة.
يقول قطب في تفسير الفاتحة أن النيزك الذي ربما يزن عشرة أطنان قبل انفصاله عن النجم يتمتع بخصائص النجم (نور وحرارة وإشعاع وطاقة وتوهج…….)، وبعد انفصاله يبدأ في فقد هذه الخصائص حتى يسير قطعة هائلة الحجم لكنها متحجرة خامدة خاملة، بينما تظل الذرة المتصلة بالنجم تتمتع بكل خصائصه من ضوء وحرارة وإشعاع و…… وهكذا العبد إذا كان عابدا لله تمتع بخيرات وبركات هذه العبودية من هداية ورشد وتوفيق ونور وعافية ورضا… ويوم القيامة يخلد في نعيم كرمه ومثوبته، بينما من يفصم عرى العلاقة مع ربه وخالقه تركه في أي وهاد الأرض يضل وفي أي اغوارها يغور.
كنت مترددا في الاتصال بك يا شيخنا وكنت أشعر أن الشيطان هو الذي يمنعني رغم حديث صاحبي السوري الواثق في أني سأجد طريق هدايتي عندك، من الآن سأكون إن شاء الله ذرة ملتصقة بربها وحبيبها وخالقها وسأقول لأي غبي يريد ان يرى ربه أن يقطع تذكرة صاروخ كوني يبعده عن الكون مسافة مليون كيلو متر عساه يحقق مراده.. شكرا لك شيخنا الحبيب وجزى الله خيرا من دلني عليك قالها وهو ينحني مستأذنا في الانصراف بعين دامعة راغبة في الاختلاء بكنز الحق الذي صار في حوزته.