بروفايل شخصى
لم تكن خسارته أولى معاركه الانتخابية نهاية الطريق، ولم يكن اسمه المصري عائقًا أمام طموحه السياسي في الولايات المتحدة. بعد ثماني سنوات من إخفاقه في الوصول إلى منصب حاكم ولاية ميشيجان، عاد الطبيب الأمريكي من أصول مصرية عبد الرحمن السيد، المعروف باسم «عبدول السيد»، إلى المنافسة السياسية، ليحقق فوزًا تاريخيًا يجعله أول مسلم يُنتخب عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي.
ففي انتخابات التجديد النصفي التي جرت الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، تغلب السيد على منافسه الجمهوري مايك روجرز، في سباق حظي باهتمام سياسي وإعلامي واسع، ليس فقط بسبب أهميته في حسابات السيطرة على مجلس الشيوخ، ولكن أيضًا لما يحمله فوزه من دلالة على حضور المسلمين والأمريكيين من أصول عربية في المؤسسات السياسية العليا بالولايات المتحدة.
جذور مصرية ونشأة في ميشيجان
وُلد عبد الرحمن السيد قبل 42 عامًا في مدينة روتشستر هيلز بولاية ميشيجان، لأسرة مصرية هاجرت إلى الولايات المتحدة بحثًا عن فرص أفضل. ونشأ في منطقة ديترويت، حيث تشكل وعيه داخل بيئة جمعت بين جذوره العربية المصرية والحياة الأمريكية، ودرس في المدارس الحكومية بالولاية، وبرز في الأنشطة الرياضية حتى تولى قيادة فرق مدرسته في كرة القدم والمصارعة واللاكروس.
وكان والده محمد، المهاجر المصري، أحد المؤثرين في نشأته، بينما ارتبطت حياته منذ الصغر بالتنوع الثقافي والاجتماعي الذي يميز منطقة ديترويت، ذات الحضور العربي والإسلامي الواسع. ولم يكن انتماؤه المصري والإسلامي مجرد خلفية عائلية، بل أصبح جزءًا معلنًا من هويته العامة، التي لم يتخل عنها مع دخوله الحياة السياسية.
طبيب برؤية تتجاوز عيادة المستشفى
اختار السيد دراسة الطب والصحة العامة، فالتحق بجامعة ميشيجان وتخرج فيها عام 2007 بتفوق أكاديمي، قبل أن يحصل على منحة رودس المرموقة، التي أتاحت له استكمال دراسته في جامعة أكسفورد البريطانية، حيث نال درجة الدكتوراه في الصحة العامة عام 2011.
ثم انتقل إلى جامعة كولومبيا في نيويورك، وحصل على شهادة الطب عام 2014، ليجمع بين التأهيل الطبي والبحث الأكاديمي في قضايا الصحة والمجتمع.
لكن مساره لم يتجه إلى العمل الطبي التقليدي؛ فقد انشغل بكيفية تأثير الفقر والبيئة والخدمات العامة في صحة الإنسان، ورأى أن تحسين حياة المواطنين لا يتحقق بالعلاج وحده، وإنما يحتاج إلى سياسات عامة ومؤسسات قادرة على توفير الرعاية الصحية والوقاية والعدالة في الحصول على الخدمات.
في الثلاثين من عمره.. مسؤول عن صحة ديترويت
في عام 2015، تولى السيد منصب مدير إدارة الصحة بمدينة ديترويت، ليصبح أحد أصغر من شغلوا هذا الموقع، وكان عمره آنذاك نحو 30 عامًا. وجاء تعيينه في مرحلة بالغة الصعوبة، بعدما خرجت المدينة من أزمة الإفلاس التي أثرت في مؤسساتها وخدماتها العامة.
تولى مهمة إعادة بناء منظومة الصحة العامة، والعمل على تحسين الخدمات والبرامج الوقائية، ومواجهة المشكلات الصحية المرتبطة بالفقر وتدهور البيئة. وكان يرى أن الصحة العامة ليست شأنًا طبيًا منفصلًا عن السياسة، بل قضية ترتبط بمياه الشرب والسكن والعمل والتعليم والقدرة على تحمل تكاليف العلاج.
وبعد مغادرته منصبه في ديترويت، عاد إلى العمل الإداري في مجال الصحة العامة، وتولى بين عامي 2023 و2025 إدارة قطاع الصحة والخدمات الإنسانية وشؤون المحاربين القدامى في مقاطعة واين، التي تضم ديترويت ومناطق محيطة بها. وارتبط عمله هناك بمبادرات لمعالجة الديون الطبية، وتوسيع خدمات الوقاية، وتحسين متابعة جودة الهواء، وتوفير خدمات صحية للفئات الأكثر احتياجًا.
هزيمة انتخابية لم توقف طموحه
بدأ السيد رحلته الانتخابية الكبرى في عام 2018، عندما خاض الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لاختيار مرشح الحزب لمنصب حاكم ميشيجان. وكان مرشحًا شابًا يتبنى برنامجًا تقدميًا، لكنه خسر أمام جريتشن ويتمر، التي حصلت على 52% من الأصوات، مقابل 30.2% للسيد.
لم يصل إلى منصب الحاكم في تلك المحاولة، لكنه لم ينسحب من المجال العام. وواصل الكتابة والبحث والنشاط السياسي، وطرح رؤيته بشأن إصلاح النظام الصحي وتوسيع الخدمات العامة، كما عمل على الربط بين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وصحة المواطنين.
وعاد إلى السباق الانتخابي في عام 2026، وهذه المرة مرشحًا للحزب الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، بعد تقاعد السيناتور الديمقراطي جاري بيترز وتركه المقعد شاغرًا.
وفي الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، التي جرت في أغسطس، تمكن من هزيمة النائبة هايلي ستيفنز، رغم الدعم الذي حظيت به من قطاعات في المؤسسة الديمقراطية، والإنفاق الكبير الذي شهدته المنافسة. وحصل السيد خلال حملته على تأييد شخصيات تقدمية بارزة، من بينها السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز والنائبة رشيدة طليب.
الصحة وفلسطين في قلب معركته السياسية
استند برنامج السيد الانتخابي إلى قضايا تمس الحياة اليومية للأمريكيين، وفي مقدمتها توسيع التأمين الصحي ليشمل الجميع من خلال مشروع «الرعاية الصحية للجميع» المعروف باسم Medicare for All، وخفض تكاليف السكن والمعيشة، وتقليص نفوذ أصحاب الثروات والشركات في تمويل الحملات الانتخابية وصنع القرار السياسي.
كما جعل من معارضة الدعم العسكري الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أحد أبرز مواقفه في السياسة الخارجية، ووجّه انتقادات حادة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، واصفًا ما يجري بأنه إبادة جماعية، وداعيًا إلى توجيه أموال دافعي الضرائب نحو احتياجات الأمريكيين بدلًا من تمويل الحروب الخارجية.
هذه المواقف جعلته في مواجهة مباشرة مع جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل، كما أثارت انقسامات داخل الحزب الديمقراطي نفسه، ودفعت منافسين سياسيين إلى مهاجمة مواقفه بشأن إسرائيل وعلاقاته ببعض الشخصيات الناشطة على اليسار الأمريكي.
وخلال الحملة، تجاوزت الانتقادات برنامجه السياسي إلى هويته الدينية وأصوله العربية؛ إذ أطلق الرئيس دونالد ترامب وشخصيات جمهورية اتهامات ربطته بالتطرف الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين، وهي اتهامات نفاها السيد، ولم تقدم الجهات التي روجت لها أدلة تثبتها. وتحولت هذه الهجمات إلى أحد أبرز جوانب المعركة الانتخابية، في وقت تمسك فيه المرشح بخطابه المرتبط بتكاليف المعيشة والرعاية الصحية.
من ابن المهاجرين إلى أول مسلم في مجلس الشيوخ
في ختام السباق الانتخابي، تمكن عبد الرحمن السيد من هزيمة الجمهوري مايك روجرز، النائب السابق والضابط السابق بمكتب التحقيقات الفيدرالي، ليحسم مقعد ميشيجان في مجلس الشيوخ، ويصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية هذه المؤسسة التشريعية في تاريخ الولايات المتحدة.
ويمثل الفوز محطة فارقة في مسيرة بدأت من أسرة مصرية مهاجرة، ومرت بتفوق أكاديمي في جامعتي ميشيجان وأكسفورد، وشهادة الطب من كولومبيا، ثم إدارة قطاع الصحة في واحدة من أكبر المدن الأمريكية، قبل خوض معارك انتخابية لم تخل من الخسارة والجدل.
لكن أهمية التجربة لا تتوقف عند خلفيته المصرية أو هويته الإسلامية؛ فالسيد يدخل مجلس الشيوخ حاملًا برنامجًا سياسيًا يضع الرعاية الصحية والعدالة الاقتصادية وتقليص نفوذ المال في السياسة ومعارضة الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل ضمن أولوياته.
وبين إخفاق انتخابي في 2018 وانتصار تاريخي في 2026، انتقل عبد الرحمن السيد من موقع المسؤول المحلي والناشط السياسي إلى واحد من مئة مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، فاتحًا فصلًا جديدًا في تمثيل المسلمين والأمريكيين من أصول عربية داخل السياسة الأمريكية.






