لم أكن أتوقع أن تُحدث تدوينة قصيرة كل هذا القدر من الاستنفار والانفجار داخل صفوف عدد من أعضاء حزب العدالة والتنمية.. فقد كتبتُ أن «دائرة الاقتناع بعدم جدوى الانتخابات، في ظل الشروط السياسية الحالية، آخذة في الاتساع تدريجياً بين مناضلي الحزب وأعضائه، وأن المطلوب ليس أكثر من قليل من الجرأة للتعبير العلني عما يقال في النقاشات الخاصة».
وبصرف النظر عن وجود فئة عريضة ممن قرأ التدوينة ذاتها وعبر أصحابها عن تأييدهم لها، فقد انهالت فئة أخرى بالتعليقات الرافضة، وتوزعت بين الكثير من التهكم والسخرية، والقليل من النقد الموضوعي، والتشكيك في مصدر الاستنتاج، والتساؤل عن أهدافه وتوقيته.. وذهب بعض المعلقين إلى أن الواقع معاكس تماماً لما أدعيه، وأن قواعد الحزب تعيش حالة من الحماس والإقبال على المشاركة في الانتخابات المقبلة.
وما ينبغي التنبيه إليه أن الاعتراض ليس مشكلة في حد ذاته؛ فالاختلاف حق، والنقد ضرورة، ولا يجوز تحويل الانطباعات الشخصية إلى حقائق علمية نهائية.. لكن السؤال الذي يستحق التأمل فيه بعمق ليس فقط: هل تتسع دائرة الاقتناع في صفوف حزب العدالة والتنمية بعدم جدوى الانتخابات فعلاً؟ بل أصبح الأهم من ذلك هو: لماذا أثارت هذه التدوينة كل هذا الانفعال والتشنج عند البعض؟
فكثرة التعليقات المعارضة لا تنهض دليلاً على خطأ الفكرة، كما أنها ليست دليلاً كافياً على صحتها.. لكن حجم الاستنفار، وسرعة الرد، وعدوانية بعض العبارات والتعليقات، كلها تمنح الواقعة دلالة نفسية وسياسية تستحق التحليل.
1/ هل شكلت التدوينة تهديداً للهوية التنظيمية؟
يذهب علم النفس السياسي إلى أن الأفراد لا يستقبلون المعلومات السياسية دائماً بوصفهم مراقبين محايدين يبحثون عن الحقيقة، بل كثيراً ما يستقبلونها من داخل هوياتهم الحزبية والجماعية.. فالحزب ليس مجرد أفراد يجمعهم برنامج سياسي، وإنما يصبح الحزب في مرحلة من المراحل، عند بعض أعضائه، جزءاً من تعريف الذات، أي: أنا أنتمي، إذن أنا أشارك؛ وما دمت أنا أشارك، إذن الانتخابات ذات معنى.
وحين تأتي فكرة تقول إن الانتخابات، في ظل الشروط الحالية، قد تكون عديمة الجدوى، فإنها لا تمس تقديراً سياسياً جزئياً فقط، بل تهدد سردية كاملة بُني عليها الاختيار الحزبي والنضال التنظيمي.. إنها تضع العضو في مواجهة أسئلة غير مريحة:
هل نشارك في انتخابات لا نملك ضمانات نزاهتها ونجاعتها؟ وهل يمكن أن نصل إلى الحكومة دون أن نملك سلطة الحكم الفعلية؟ وإذا كانت مراكز القرار الحقيقية لا تتغير بتغير نتائج الاقتراع، فما القيمة السياسية التي بقيت لصناديق الاقتراع؟
عندما يهدد السؤال هوية الجماعة أو الحزب، قد يظهر ما يسميه الباحثون «الاستدلال المدفوع بالهوية» أو «التفكير الحامي للهوية» أو «التفكير من داخل الصندوق». ففي هذه الحالة لا يبدأ العقل من الوقائع ليصل إلى النتيجة، وإنما يبدأ من النتيجة التي يحتاج إليها نفسياً وتنظيمياً، ثم يبحث عما يؤيدها. وقد أثبتت دراسات علم النفس السياسي أن الانتماء الحزبي يؤثر في كيفية تفسير المعلومات وتقييمها واتخاذ القرار بشأنها، خصوصاً عندما تمس النتائج مكانة الجماعة أو شرعية اختياراتها.
لهذا، قد يكون رفض بعض المعلقين غير مرتبط بمضمون التدوينة وحدها، بل بما يمكن أن يترتب عليها: التشكيك في جدوى «الاستراتيجية الانتخابية» التي لا يزال الحزب يعتمدها، ورفضوا إلى جانب ذلك فتح نقاش داخلي ظل مؤجلاً أو ممنوعا ومحصوراً في الجلسات الخاصة.
2/ هل الاعتراض القوي على التدوينة دليل على وجود اقتناع خفي بمضمونها؟
سيكون من غير العلمي القول إن كثرة الاعتراض تثبت، بمفردها، أن المعترضين مقتنعون في أعماقهم بصحة التدوينة.. فربما كان بعضهم أو كثيرهم مقتنعاً فعلاً بجدوى المشاركة، ورأى فيها تقديراً خاطئاً أو تعميماً غير مؤسس.
لكن الاعتراض المفرط والحاد، والعدواني، قد يكشف أحياناً عن وجود «قلق كامن» لا عن اقتناع مكتمل.. والفرق كبير بين الأمرين.
الفكرة التي لا تمس شيئاً في وجدان الجماعة غالباً ما تمر بهدوء ودون أن تحدث ردود فعل متشنجة.. أما الفكرة التي تقترب من شكوك مسكوت عنها، أو تكشف عن تناقض تحاول الجماعة التعايش معه، فإنها تولِّد ردوداً دفاعية أشد.. ليس لأن الفكرة أثبتت نفسها علمياً، بل لأنها أصابت موضعاً حساساً في العقل الجمعي.
ما أحدثته التدوينة، في تقديري، ليس اكتشافاً لسر مجهول، وإنما إخراج لسؤال متداول في المجالس الخاصة للحزب إلى الفضاء العام: ما جدوى الانتخابات إذا كانت شروطها، ومخرجاتها، وحدود السلطة الناتجة عنها، محددة سلفاً أو محكومة بموازين لا يصنعها الناخبون؟
ومن هنا يمكن فهم بعض الردود العنيفة والعدوانية والمتهكمة بوصفها محاولة لإغلاق السؤال ووأد الفكرة قبل أن يتحولا من خاطرة فردية إلى موضوع نقاش تنظيمي مشروع داخل الحزب.
3/ التنافر المعرفي، أو حين تتعارض القناعة مع السلوك
يفيدنا هنا مفهوم «التنافر المعرفي» أنه يحدث عندما يحمل الإنسان قناعة معينة، لكنه يجد نفسه يمارس سلوكاً لا ينسجم معها.. فقد يقتنع عضو في الحزب بأن شروط المنافسة غير متكافئة، وأن القرار الحكومي محدود، وأن نتائج الانتخابات يمكن التحكم في سياقها السياسي والإعلامي والإداري؛ لكنه، في الوقت نفسه، يواصل التعبئة للمشاركة والترشح والتصويت.
ينشأ عندئذ توتر بين مستويين:
– مستوى القناعة السياسية: الانتخابات في شروطها الحالية ضعيفة الجدوى.
– مستوى الالتزام التنظيمي: الحزب قرر المشاركة، والقرار ملزم.
ولتخفيف هذا التوتر قد يلجأ الفرد إلى إنكار القناعة الأولى، أو التقليل من شأنها، أو مهاجمة من يعبّر عنها علناً. لذلك فإن بعض الردود العنيفة قد لا تكون دفاعاً عن الانتخابات في ذاتها، بقدر ما تكون دفاعاً عن التوازن النفسي والتنظيمي للعضو، لأن الاعتراف بضعف الجدوى يفرض سؤالاً ثقيلاً: إذا كنتُ مقتنعاً بذلك، فلماذا أشارك؟
تدوينتي ليست استطلاعاً علمياً شاملاً، ولم أقدمها بهذه الصفة.. إنها حصيلة علاقة ممتدة لعقود وسنوات بعدد من أعضاء الحزب، ونقاشات غير رسمية، وأحاديث خاصة يعبّر فيها أصحابها بقدر من الحرية التي لا تتوافر دائماً داخل الاجتماعات التنظيمية أو في الفضاء العام.
هذه النقاشات غير التنظيمية تمنحني حق صياغة نتيجة أو فرضية سياسية جديرة بالنقاش، لكنها لا تسمح لي بالقول إن أغلبية أعضاء الحزب باتت مقتنعة بالمقاطعة أو على الأقل بعدم الجدوى من الانتخابات، لذلك اكتفيت بالقول: «إن الدائرة آخذة في الاتساع»، كما لا ينفي وجود فئة يصعب تجاهلها جدا لم تعد ترى في الانتخابات بشروطها الحالية جدوى سياسية حقيقية.. فإثبات ذلك يحتاج إلى نقاش حزبي مفتوح ومسؤول، ودراسة ميدانية، وعينة ممثلة، وأسئلة دقيقة تميز بين أربعة مواقف مختلفة:
– الاقتناع الكامل بجدوى الانتخابات.
– الاقتناع بضعف جدواها مع استمرار المشاركة.
– التردد بين المشاركة والمقاطعة.
– الاقتناع بعدم الجدوى والدعوة إلى المقاطعة.
وربما قد يتبين أن الفئة الثانية أكبر مما يبدو علناً.. فالصمت التنظيمي لا يعني غياب الشك، كما أن المشاركة العملية لا تؤكد بالضرورة وجود القناعة.
وفي هذا السياق، وفي إطار إنعاش الذاكرة الجماعية، ما هو مصير جيل التأسيس الذي التحق سنة 1996 بحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية سابقا، حزب العدالة والتنمية حاليا، والجيل الذي التحق بعد انتخابات 2002؟ إن العشرات منهم إن لم يكن المئات قد خرجوا بقناعة أبعد من عدم جدوى الانتخابات، وأصبحوا يؤمنون بعدم الجدوى من المشاركة السياسية برمتها ومن الأساس في ظل الشروط والظروف الحالية.. فهل يمكن إنكار هذه الحقيقة هي الأخرى؟ وهل أخذ الحزب وقتا لدراسة هذه الظاهرة؟ وهل حاول معرفة أسبابها؟
4/ ابن كيران وبوانو: هفوات عابرة أم مؤشرات سياسية؟
هناك عبارات تصدر عن السياسيين وتبدو في ظاهرها انفعالية أو عابرة، لكنها تكشف عن أزمة أعمق في تصور الفعل السياسي.
أولها تصريح عبد الإله ابن كيران، بعد مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة، بأنه فكر بجدية في الاستقالة واعتزال العمل السياسي.. وقد قال، بحسب ما نُقل عنه: «فكرت في أن أقدم استقالتي من الحياة السياسية في هذا الوطن»، قبل أن يتحدث عن الشعور بالمسؤولية والعجز عن تقديم مقاربة مقنعة للشباب.
هذا التصريح لا يثبت بالضرورة أن ابن كيران يعتقد بعدم جدوى الانتخابات تحديداً، ولكنه يكشف عن شعور أعمق بالعجز السياسي!! فماذا بقي للعمل السياسي أو للفاعل السياسي حين يعبر عن عجزه في منح الشباب أملاً في وطنهم، أو حتى تفسير اندفاعهم الجماعي نحو الهجرة؟
أما التصريح الثاني فهو لعبد الله بوانو، في سياق الأخبار التي قدمت فوزي لقجع بوصفه مرشحاً محتملاً لرئاسة الحكومة المقبلة، إذ تساءل بما معناه: إذا كان لقجع رئيس الحكومة منذ الآن، فما دور الانتخابات؟ لكم أن تتأملوا هذا السؤال بعمق!
هذا السؤال يستبطن دلالة بالغة، لأنه يضع اليد على جوهر الحقيقة التي ترفضها بعض قواعد الحزب: إذا كان اسم رئيس الحكومة المقبل يمكن أن يُصنع خارج الإرادة الانتخابية، ثم يبحث له لاحقاً عن الحزب والدائرة والنتيجة المناسبة، فإن الانتخابات تتحول من آلية ديمقراطية لإنتاج القرار إلى إجراء شكلي لإضفاء الشرعية على قرار سابق.
لكن الدقة العلمية قد تمنعنا إلى حد ما من القول إن التصريحين يؤكدان وجود فكرة «اللاجدوى الانتخابية» في العقل الباطن للقياديين.. إذ لا نستطيع أن نشخّص اللاوعي من عبارتين سياسيتين.. والأدق أنهما يكشفان عن شك كامن في فاعلية الوسائط السياسية القائمة، وعن إدراك واع لديهما بوجود مسافة بين الشكل الانتخابي وبين صناعة القرار الفعلي.
5/ بين عدم الاقتناع ومخالفة القرار
من الضروري هنا التمييز بين أمرين يقع الخلط بينهما كثيراً: عدم الاقتناع بالقرار، والعمل ضده.
فقد لا يقتنع العضو بجدوى المشاركة، لكنه يلتزم بها لأن مؤسسات الحزب قررتها.. وهذا ليس نفاقاً ولا ازدواجية بالضرورة؛ بل قد يكون من مقتضيات الانضباط التنظيمي، ما دامت حرية النقاش (الغائب) محفوظة قبل اتخاذ القرار، وما دام القرار (الملزم) لم يتحول إلى وسيلة لمنع التفكير أو مصادرة التعبير.
وقاعدة «الرأي حر والقرار ملزم» قاعدة تنظيمية سليمة، وأنا معها.. لكنها تتكون من شقين متكاملين: حرية الرأي وإلزامية القرار.. فلا يجوز الاحتفاظ بالشق الثاني وإلغاء الأول.. فإذا صار القرار ملزماً قبل النقاش وبعده، وصار التعبير عن الرأي المخالف له تشويشاً أو خيانة أو خدمة للخصوم، فإن القاعدة تتحول إلى: «القرار ملزم والرأي مزعج».
والسيرة النبوية تقدم نموذجاً واضحا في هذا الشأن.. فقد كان رأي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أُحد هو البقاء في المدينة ومواجهة المشركين داخلها، بينما مال كثير من شباب الصحابة إلى الخروج.. فلما أخذ برأيهم ولبس لأمته، راجعوه قائلين: «يا رسول الله، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد»، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يُحَكِّمَ الله بينَه وبينَ عَدُوِّهِ ». وقد وردت الواقعة في كتب السيرة بألفاظ متقاربة.
لم يكن الأخذ برأيهم دليلاً على أن رأيه الأول لم يكن صحيحاً عنده، وإنما كان تعليماً عملياً لقيمة الشورى والالتزام بما استقر عليه القرار رغم عدم اقتناعه صلى الله عليه وسلم بصوابه..
وتكرر معنى قريب في حصار الطائف، فعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم طول الحصار رأى ألا جدوى منه وأراد الرحيل، فشق ذلك على بعض الصحابة وفضلوا مواصلة الحصار، فقال لهم: «اغدوا على القتال»، فلما أصابتهم الجراح قال: «إنا قافلون إن شاء الله»، فسروا وأذعنوا.
الدلالة هنا ليست مساواة القرار الحزبي بالقرار النبوي، وإنما بيان أن المشاركة في تنفيذ قرار جماعي لا تستلزم الادعاء بأن كل فرد كان مقتنعاً به ابتداءً.. يمكن للإنسان أن يحتفظ بتقديره الخاص الذي قد يكون عدم الاقتناع بالقرار، مع ذلك يلتزم بما انتهت إليه الجماعة.
وأخيرا/ المشكلة ليست في المشاركة بل في تحريم السؤال
الغريب في أغلبية التعليقات، ولا سيما العدوانية والمُتهكِمة منها، وقعت في خلط مفاهيمي أثناء قراءة التدوينة والتعليق عليها؛ فلم يستطع أصحابها التمييز بين عبارة:« دائرة الاقتناع بعدم جدوى الانتخابات…» وبين عبارة «المقاطعة»، فقد حملوا الأولى على معنى الثانية، والفرق بينهما كبير وواضح، كما بينت أعلاه في أحداث غزة أحد، فعدم الاقتناع بجدوى الانتخابات لا يعني مطلقا أن صاحب هذا الاقتناع مقاطع أو يدعو إلى المقاطعة..
وهنا لا أدعو من خلال هذا النقاش إلى قرار جاهز بالمقاطعة، ولا أدعي أنني أجريت استطلاعاً يثبت أن أغلبية أعضاء الحزب تؤيدها.. ما أطرحه أبسط وأعمق: هناك أزمة متنامية في الثقة بجدوى الانتخابات، داخل المجتمع وداخل الأحزاب نفسها، وداخل حزب العدالة والتنمية نفسه، ولا يجوز علاجها بإنكارها.
من حق أنصار المشاركة أن يقدموا حججهم المتمثلة في الحفاظ على الوجود السياسي، ومراكمة الإصلاح، ومنع إخلاء المؤسسات، واستثمار الممكن، ومقاومة التحكم من الداخل، وهذه النقطة أجد لها حضورا في الخطاب وضمورا في الممارسة، لكن عليهم أيضاً أن يجيبوا عن الأسئلة المقابلة:
– ما حدود التغيير الذي يمكن أن تنتجه الانتخابات؟
– ما ضمانات احترام الإرادة الشعبية؟
– ماذا تعلم الحزب من تجربة 2011–2021؟
– وهل المشاركة الانتخابية وسيلة ضمن مشروع سياسي كبير، أم تحولت إلى غاية تنظيمية مرتبطة باستمرار المواقع والمنتخبين والهياكل؟
الحماس التنظيمي لا يجيب وحده عن هذه الأسئلة.. فقد يكون الحزب متحمساً لخوض الانتخابات، بينما يكون جزء كبير من أعضائه غير مقتنع بقدرتها على تغيير موازين السلطة (وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر).. ولا تناقض في ذلك؛ لأن الحماس قد يكون حماساً للدفاع عن الحزب، لا اقتناعاً بسلامة قواعد اللعبة، فكلنا على يقين أن قواعد اللعبة الانتخابية المغربية مختلة ومعتلة ومُتحكم فيها.. وهو تقدير تؤيده التجربة السياسية وموازين السلطة القائمة، وإن اختلفت درجة الإقرار به داخل الحزب..
إن الانفجار الذي أحدثته التدوينة لا يؤكد ولا ينفي أن جميع المعترضين يؤمنون سراً بعدم جدوى الانتخابات، لكنه يكشف أن السؤال أصاب منطقة حساسة داخل الوعي الحزبي.. وهذه الحساسية تستحق الفهم، لا السخرية؛ والدراسة، لا التخوين، والتأمل لا الاندفاع، والإنصاف لا العدوانية.
فإذا اعتبرنا في الحد الأدنى أن اتساع دائرة الشك داخل الحزب في الجدوى الانتخابية مجرد فرضية، فإنها تستمد قوتها من التجارب السابقة، ومن الواقع العنيد، ومن النقاشات الخاصة، ومن تراكم التجربة السياسية، ومن بعض العبارات الدالة الصادرة عن قيادات وأعضاء الحزب.. لكنها إذا خضعت لاختبار ميداني منظم على ضوء الأسئلة التي أشرت إليها أعلاه، فلربما ستكون النتائج صادمة للبعض الذي ما يزال يرى أن هناك جدوى حقيقية من هذه الانتخابات في ظل شروطها الحالية (للأسف موضوع النقاش الداخلي والدراسات الميدانية حول القضايا الكبرى موضوع متمنع داخل الحزب بسبب الأولويات والاهتمامات التي تفرضها بعض قيادات الحزب).
أما المشاركة الانتخابية، فرغم ضعف الاقتناع بها، فليست تناقضاً أخلاقياً ما دام العضو ملتزماً بقرار مؤسسات الحزب.. التناقض الحقيقي يبدأ حين يُطلب من هذا العضو أن يشارك، وأن يصمت في الوقت نفسه، وأن يدَّعي فوق ذلك أنه مقتنع تمام الاقتناع.
القرار التنظيمي قد يكون ملزماً، لكن القناعة الداخلية لا تُنتج بقرار.. والصمت قد يُفرض، أما الشك فلا يختفي لمجرد منع أصحابه من التعبير عنه.. وأخطر ما يمكن أن يواجه حزباً سياسياً ليس وجود أصوات متشككة أو متسائلة داخله، وإنما عجزه عن سماعها ممن يجب عليهم سماعها، قبل أن تتحول الشكوك الصامتة إلى قطيعة معلنة، وهذا الأمر ليس ببعيد.


