في مشهد يختصر تراجيديا الإنسان في الشرق الأوسط، تحول نهر الليطاني اليوم إلى “جسر للآلام” وجسر للأمل في آن واحد.
فمع سريان وقف إطلاق النار المؤقت، لم تكن السيارات المكدسة بالمراتب والأواني المنزلية تنقل مجرد نازحين، بل كانت تنقل “أرواحاً” تبحث عن ملامح وطن ممسوح من الخريطة.
إن علامات النصر التي رسمها الأطفال من نوافذ السيارات المتهالكة اصطدمت بحقيقة مرعبة على الضفة الأخرى؛ حيث لم تعد “البيوت” أماكن للسكن، بل تحولت إلى “مقابر للذكريات”.
إنها الحرب التي لم تكتفِ بتهجير ربع سكان لبنان، بل تركتهم أمام “خديعة الجغرافيا”؛ حيث العودة إلى الأرض لا تعني العودة إلى الديار، وحيث الهدنة ليست سوى استراحة قصيرة لالتقاط الأنفاس وسط غابة من المعدن الملتوي ورائحة الموت التي لا تزال تسكن الضواحي والقرى.
عبور فوق جراح السيادة واللوجستيات
تحت أضواء الكشافات وفي سباق مع الزمن، تحولت منطقة “القاسمية” إلى خلية نحل لجرافات تحاول ردم “فجوة الدمار” التي خلفها القصف الإسرائيلي لآخر جسور الجنوب قبل ساعات من الهدنة.
هذا السد الترابي الذي أقيم ليكون جسراً مؤقتاً، يمثل في جوهره “الهشاشة اللبنانية”؛ حيث يضطر المواطن للانتظار عشر ساعات لقطع مسافة كانت تستغرق ستين دقيقة.
وتشير وكالات الأنباء العالمية إلى أن تعمد تدمير البنية التحتية اللوجستية في اللحظات الأخيرة كان يستهدف “تأديب الجغرافيا” ومنع العودة السلسة، مما جعل من رحلة العائلات ملحمة إنسانية واقتصادية، حيث تتراكم كتل المعدن الملتوي كشاهد صامت على محاولة خنق “ناصية الجنوب” وعزله عن بقية الجسد اللبنانى.
صور.. حين تتحول الشقق إلى “بيوت دمى” محطمة
في مدينة صور وضواحي بيروت الجنوبية، لم يجد العائدون سوى “هياكل” خاوية؛ حيث تسببت الغارات في تحطيم واجهات المباني لتكشف عن غرف نوم وصالونات تقف وحيدة بهيئة تشبه “بيوت الدمى العملاقة”.
الخبراء الاقتصاديون يصفون هذا الدمار بـ “تصفير الثروة العقارية”، حيث فقد عشرات الآلاف مدخرات أعمارهم في لحظات.
وبينما يعانق بعض الأهالى بعضه وسط جدران تحمل صوراً لقادة “حزب الله” وقتلى المعارك، تبرز المفارقة الإنسانية: هؤلاء الأطفال عادوا إلى “شقة” تحمل عبق العائلة، لكن آلافاً غيرهم في النبطية وصوانة وجدوا أن “الضيعة” التي يشتاقون إليها لم تعد صالحة حتى لنصب خيمة فوق أنقاضها.
النبطية المنكوبة
تعد النبطية المختبر الأكثر قسوة لنتائج الحرب؛ حيث تكشف الإحصائيات الرسمية والتقارير الدولية عن تدمير أو تضرر أكثر من 7000 وحدة سكنية في هذه المدينة وحدها.
هناك.. الاهالى لا يبحثون عن هدنة مؤقتة تمنحهم “إجازة من الموت”، بل يبحثون عن إنهاء كامل للحروب يضمن لهم ألا يقتل مواطن وهو يحرث أرضه أو يرمم سقفه.
المحللون في الصحافة الدولية يرون أن هذا الدمار الممنهج في الجنوب يهدف إلى خلق “بيئة طاردة” للسكان، وتحويل المنطقة إلى عبء اقتصادي وإنساني يستنزف الدولة اللبنانية المنهكة أصلاً بالديون والفساد.


