تفرض التحولات الجيوسياسية الناجمة عن الصراعات العسكرية إعادة قراءة شاملة للموازين الداخلية في البيئات الريعية، حيث تتقاطع الإجراءات الأمنية الحمائية الموجهة ضد المجتمعات مع تراجع الثقة الدولية في الحماية الخارجية ونموذج الأعمال القائم.
ووضعت الصواريخ المباغتة والمُسيرات المتفجرة النموذج الاقتصادي والأمني لدول الخليج أمام مقصلة الواقع الجغرافي المشتعل؛ فلم يعد بريق ناطحات السحاب ومجتمعات المال والرفاه محصناً ضد شظايا الصراع المباشر مع طهران وأكيد مع غيرها، مما دفع الأنظمة لتشديد قبضتها السيادية بالداخل.
تبرير القمع
رأى موقع الإذاعة والتلفزيون السويسري- فى تقرير ترجم الى العربية- أن دول الخليج تتخذ من الصراع مع إيران ذريعة لتشديد القيود على الحريات العامة، وزيادة وتيرة التضييق السلطوي والقمع الممنهج ضد شعوبها تحت غطاء حماية الأمن الداخلي.
استهداف البحرين
يظهر هذا النمط الجيوسياسي بوضوح في البحرين؛ إذ لم يتجه رد الأسرة الحاكمة نحو طهران عقب سقوط الصواريخ على المنامة، بل استهدف سكان البلاد الشيعة عبر تدابير عقابية واسعة وفق التقرير.
وأفاد معهد البحرين للحقوق والديمقراطية بشن حملة توقيفات شملت مراجعة وسائل التواصل ومداهمة منازل رجال الدين الشيعة، وتأكيد السلطات اعتقال 41 شخصاً بزعم ارتباطهم بالحرس الثوري الإيراني.
الكويت ومناخ الخوف
أوضحت منظمة العفو الدولية أن الإجراءات امتدت للكويت التي سحبت جنسية أكثر من 1200 شخص دون أسباب منذ فبراير، مما خلق مناخاً من الخوف شمل حتى موثقي سقوط الصواريخ بالمدن الخليجية.
تكتم إقليمي
تستخدم الحكومات الأسلوب الصارم للسيطرة الكاملة على الرواية العامة، وسط تحفظ وتكتم شديدين من قطر والإمارات، واستحالة إجراء أي تحقق مستقل داخل السعودية التي تجبر القيادة شعبها على الصمت.
سوابق تاريخية
تشبه الإجراءات الحالية ما اتخذته السعودية ضد المتعاطفين خلال أزمتها مع قطر بين عامي 2017 و2021، مما يثبت وجود أوجه شبه واضحة بالتعامل الإقصائي مع أي تعاطف مفترض مع طهران.
حصيلة الخسائر
تعرضت الإمارات بين فبراير ويونيو لهجمات مكثفة شملت 2200 مسيرة و500 ضربة باليستية، أسفرت عن مقتل 13 شخصاً وإصابة 217 آخرين، سقط أغلبهم بفعل تناثر شظايا وحطام الصواريخ الاعتراضية.
وعجزت دبي عن تجنب صدمة اقتصادية حادة لاعتمادها على السياحة عكس أبوظبي، حيث بدت منطقة برج خليفة ونخلة جميرا مهجورتين، وسط استغلال بعض المقيمين للمناسبة للإقامة بأسعار فنادق مخفضة.
عمالة وافدة
كشفت الحرب هشاشة أوضاع العمال الآسيويين كالسائقين الباكستانيين الذين واجهوا انعدام الدخل، وسط عودة 20 ألف باكستاني لبلادهم إما طوعاً أو قسراً لطرد السلطات لبعض الشيعة للاشتباه بتعاطفهم.
رقابة إلكترونية
شهدت الساحة الإماراتية تشديداً للرقابة الإلكترونية وحظر تصوير آثار المقذوفات، وتوقيف مؤثرين أوروبيين وترحيلهم، وسط انتقادات مقيمين للنظام الموصوف بالرقابة والعنصرية والسلطوية وامتلاك العيون في كل زاوية وساحة.
نموذج مهتز
وأشار مراقبون خلال التقرير المترجم لحاجة الخليج لاستراتيجية دفاعية بديلة، بعدما بددت الصواريخ التي استهدفت المصافي والفنادق صورة الوافدين عن المنطقة كبيئة مستقرة وبعيدة كلياً عن أزمات الشرق الأوسط القديم.
وتراقب العواصم بذهول سياسة ترامب الساعي للخروج سريعا بتقديم تنازلات لطهران، والسماح لها بصادرات النفط قبل تقديم تعهدات واضحة، مما يعزز شعور الجار القابع خلف مضيق هرمز بالقوة المفرطة.
سلاح جديد
تحول مضيق هرمز بمثابة السلاح النووي الجديد للنظام الإيراني لتهديد الاقتصادات، ولم تفلح زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للمنطقة حاملة الوعود في إزالة شكوك القادة بجدوى الاعتماد على واشنطن.
قصور دفاعي
تفتقر دول الخليج حتى لسفن كاسحة ألغام يعتد بها رغم خوضها حروباً بالوكالة في اليمن والسودان، مما يفرض تعاوناً عسكرياً غائباً ويدفع الرياض وأبوظبي لبدء محادثات منفردة مع الجانب الإيراني.
مراجعة استراتيجية
ستضطر الأنظمة لإعادة تقييم القواعد الأمريكية التي قد تجعلها أهدافاً للهجمات، والتفكير بصفقة كبرى تقضي بانسحاب واشنطن مقابل تخلي طهران عن طموحها الصاروخي والنووي ودعم الحوثيين وحزب الله لحماية الاستقرار.
وتثبت الارتدادات السياسية والعسكرية في منطقة الخليج أن النموذج الاقتصادي القائم على الرفاه لم يعد بمعزل عن الجغرافيا المشتعلة؛ مما يضع صناع القرار أمام خيارات حاسمة تتأرجح بين القمع الداخلي وبناء تحالفات دفاعية مستقلة لحفظ البقاء.


