في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، أقرّ مجلس الوزراء في سلطنة عُمان خلال الأيام القليلة الفائتة، إنشاء مركز عُمان المالي العالمي، في توجه يعكس طموح السلطنة للانتقال من اقتصاد تقليدي يعتمد على الطاقة إلى مركز إقليمي مؤثر في حركة المال والاستثمار.
الإعلان الذي نقلته وكالة الأنباء العُمانية لا يأتي معزولًا عن التحولات العالمية المتسارعة، بل يندرج ضمن سباق إقليمي ودولي لاستقطاب رؤوس الأموال، وتعزيز الثقة الاستثمارية، وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد العالمي في زمن تتراجع فيه الحدود التقليدية للأسواق.
مركز باستقلال تشريعى.. ماذا يعني ذلك؟
أبرز ما ورد في الإعلان الرسمي هو تمتع المركز المالي الجديد بـ استقلالية تشريعية وإدارية وتنظيمية، وهو توصيف يحمل وزنًا كبيرًا في عالم المال.
هذا النموذج يتيح للمركز العمل وفق أطر قانونية وقضائية منفصلة عن المنظومة المحلية التقليدية، بما يضمن سرعة الفصل في النزاعات، ووضوح القواعد، وتوافقها مع المعايير الدولية المعمول بها في مراكز مثل لندن ودبي وسنغافورة.
ويرى خبراء قانونيون أن الاستقلال التشريعي يمثل حجر الزاوية في نجاح أي مركز مالي عالمي، إذ يمنح المستثمرين شعورًا بالأمان القانوني، ويقلل من مخاطر التقاضي الطويل أو التفسيرات المتغيرة للقوانين، وذلك كما قررت مصر-وسبقت- عقب ثورة يناير، التعامل مع مشروعات شرق بورسعيد وجنوب قناة السويس بنفس المنطق.
قراءة في التوقيت.. لماذا الآن؟
يأتي القرار العُماني في توقيت بالغ الحساسية اقتصاديًا، فالعالم يشهد تحولات في تدفقات رؤوس الأموال، وتراجعًا في الثقة ببعض الأسواق التقليدية، مقابل صعود مراكز مالية جديدة في الشرق الأوسط وآسيا.
ويشير اقتصاديون إلى أن السلطنة تستفيد من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، واستقرارها السياسي، وسياساتها المتوازنة، لتقديم نفسها كمنصة مالية هادئة وآمنة، بعيدة عن التوترات الجيوسياسية التي تؤثر على أسواق أخرى.
ويتقاطع هذا القرار مع رؤية عُمان 2040، التي تضع تنويع مصادر الدخل وتعزيز القطاعات غير النفطية في صدارة الأولويات الوطنية.
نظام مالي وقضائي جديد بمعايير عالمية
الإعلان عن بناء المركز على نظام مالي وقضائي جديد مواكب للمعايير العالمية يفتح الباب أمام بنية مؤسسية مختلفة كليًا،
فحسب خبراء ماليين، فإن ذلك قد يشمل: “تشريعات مرنة لأسواق المال وإدارة الأصول، وأنظمة حديثة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومحاكم مالية متخصصة تعمل باللغة الإنجليزية إلى جانب العربية، وأطر تنظيمية جاذبة لشركات التكنولوجيا المالية والخدمات المصرفية العابرة للحدود.
هذه العناصر مجتمعة تشكل البيئة التي تبحث عنها المؤسسات المالية الكبرى وصناديق الاستثمار العالمية.
فرصة تاريخية مشروطة
يصف محللون اقتصاديون القرار بأنه فرصة تاريخية لعُمان، لكنها مشروطة بحسن التنفيذ، ويؤكد خبراء أن نجاح المركز لن يتوقف على القوانين وحدها، بل على كفاءة الكوادر البشرية، والشفافية والإفصاح، وسهولة تأسيس الأعمال، والتكامل مع الاقتصاد المحلي وعدم تحوله إلى جزيرة معزولة.
ويحذر بعضهم من أن المنافسة الإقليمية شرسة، ما يتطلب نموذجًا عُمانيًا خاصًا، لا يكرر تجارب الآخرين بل يقدم قيمة مضافة قائمة على الاستقرار والثقة والحياد.
التأثير المتوقع على الاقتصاد العُماني
اقتصاديًا، يُتوقع أن يسهم المركز المالي العالمي في جذب استثمارات أجنبية مباشرة، وخلق فرص عمل نوعية في القطاعات المالية والقانونية والتقنية، ورفع تصنيف السلطنة الائتماني على المدى المتوسط، وتعزيز دور مسقط كمحطة مالية ولوجستية بين آسيا وإفريقيا.
كما قد يشكل المركز منصة لتمويل مشروعات الطاقة المتجددة، والاقتصاد الأخضر، والتجارة العابرة للقارات.
ر سالة عُمانية للعالم
بإقرار إنشاء مركز عُمان المالي العالمي، ترسل السلطنة رسالة واضحة إلى العالم مفادها أنها عازمة على لعب دور جديد في الاقتصاد الدولي، يقوم على التشريع الحديث، والاستقلال المؤسسي، والانفتاح المدروس.
القرار لا يمثل مجرد مشروع اقتصادي، بل تحولًا استراتيجيًا في رؤية الدولة لدورها ومكانتها، ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل النصوص الطموحة إلى واقع عملي يجعل من عُمان اسمًا حاضرًا بقوة على خريطة المال العالمية، لا كمنافس عابر، بل كشريك موثوق في زمن يبحث فيه المستثمرون عن الاستقرار قبل الأرباح.
الصورة الرئيسة من: شتر ستوك، نقلتها الجزيرة


