تدخل الأزمة الإنسانية في قطاع غزة مرحلة جديدة من القلق، بعدما أعلن برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته الغذائية بنحو الثلث بسبب نقص التمويل، في قرار يحرم نحو 500 ألف فلسطيني من المساعدات الشهرية، ويضع ملايين السكان أمام تحديات متزايدة لتأمين الغذاء، بالتزامن مع اقتراب فصل الشتاء واستمرار تدهور الأوضاع المعيشية.
ويأتي القرار بعد عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، دون أن تتمكن غالبية الأسر من استعادة مصادر دخلها أو العودة إلى مساكن توفر الحد الأدنى من الأمان والاستقرار. وبينما كان يفترض أن تفتح التهدئة الباب أمام التعافي وإعادة الإعمار، تكشف أزمة التمويل عن هشاشة الوضع الإنساني واعتماد أعداد واسعة من الفلسطينيين على الإغاثة للبقاء.
500 ألف فلسطيني خارج المساعدات
أعلن برنامج الأغذية العالمي خفض عدد المستفيدين من مساعداته الغذائية والنقدية في غزة من 1.6 مليون شخص إلى 1.1 مليون، اعتباراً من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بسبب نقص الموارد المالية.
ولم يقتصر التقليص على عدد المستفيدين، بل امتد إلى خفض الحصص الغذائية إلى النصف، وإلغاء المساعدات النقدية المقدمة إلى 75 ألف أسرة، وتقليص الوجبات الساخنة اليومية من 250 ألفاً إلى 150 ألف وجبة. وفي بعض المناطق التي يصعب الوصول إليها، أصبحت الأسر تحصل على وجبة ساخنة يوماً بعد يوم بدلاً من تلقيها يومياً.
وقال كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، إن الحياة في غزة لا تزال قاسية للغاية، مشيراً إلى غياب المأوى الملائم والخدمات الأساسية والأمن، رغم مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار.
وحذر سكاو من أن تقليص المساعدات يأتي مع اقتراب الشتاء، الذي يزيد معاناة النازحين المقيمين في الخيام والمساكن المتضررة، مؤكداً ضرورة تحرك المجتمع الدولي للحفاظ على الدعم الإنساني وحماية ما تحقق من تقدم محدود.
وطلب البرنامج توفير 450 مليون دولار بصورة عاجلة لاستمرار عملياته الحيوية في غزة والضفة الغربية المحتلة خلال الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى مارس/آذار 2027، موضحاً أن التمويل الذي تلقاه لعملياته في فلسطين خلال العام الجاري يقل بأكثر من النصف عن مستويات السنوات السابقة.
أرقام تكشف عمق أزمة الغذاء
تظهر البيانات الإنسانية أن تقليص المساعدات يحدث في وقت لا يزال فيه الأمن الغذائي بعيداً عن الاستقرار. فوفق برنامج الأغذية العالمي، يواجه نحو 1.4 مليون شخص في غزة مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي أو ما هو أسوأ، بينهم قرابة 200 ألف شخص يعيشون ظروفاً مصنفة ضمن مرحلة الطوارئ الغذائية.
وتعني هذه المؤشرات أن مئات الآلاف من الأسر لا تمتلك قدرة كافية على شراء الغذاء، خصوصاً بعد تضرر الأنشطة الاقتصادية وفقدان مصادر الدخل وتراجع فرص العمل.
وفي تقرير صدر في 15 أكتوبر/تشرين الأول، أوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن نقص التمويل والاعتماد على معبر واحد لدخول الشحنات الإنسانية والتجارية، إلى جانب التأخير في عمليات التفتيش والتخليص ومناولة البضائع، تحد من حجم الإمدادات وانتظام وصولها.
وأشار التقرير إلى أن السلة الغذائية الشهرية، التي تتضمن مواد غذائية و25 كيلوغراماً من الدقيق، لا تغطي سوى نحو نصف الحد الأدنى من الاحتياجات الحرارية للأسر المستفيدة.
وتزداد الأزمة تعقيداً مع استمرار البطالة وضعف القدرة الشرائية، ما يجعل توافر السلع في الأسواق غير كافٍ وحده لضمان حصول الأسر على احتياجاتها.
الأطفال والنازحون الأكثر تضرراً
تتجاوز تداعيات تقليص المساعدات مسألة عدد الوجبات، لتشمل مخاطر سوء التغذية وتراجع التنوع الغذائي، خصوصاً لدى الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات وكبار السن والمرضى.
وكان تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، الصادر في يوليو/تموز الماضي، قد توقع احتياج نحو 74 ألفاً و200 طفل تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات إلى العلاج من سوء التغذية الحاد حتى أبريل/نيسان 2027، بينهم أكثر من 11 ألفاً و400 طفل يُتوقع أن يعانوا سوء تغذية حاداً شديداً.
وتكتسب هذه التوقعات أهمية إضافية في ظل الضغوط التي تواجه المرافق الصحية ومراكز التغذية، وصعوبة توفير الأغذية المناسبة للأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية خاصة.
كما أن أزمة الغذاء تتزامن مع تدهور ظروف المأوى. فقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن نحو 950 ألف نازح يعيشون في مواقع معرضة بدرجات متفاوتة لمخاطر الفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف في مواقع مرتفعة الخطورة، وفق تقريره الإنساني الصادر في 15 أكتوبر/تشرين الأول.
ويعني ذلك أن آلاف العائلات قد تواجه في الأشهر المقبلة أزمات متزامنة تتعلق بالغذاء والمأوى والمياه والخدمات الصحية، إذا لم تتوافر الموارد اللازمة للاستجابة الإنسانية.
تحذيرات فلسطينية من انهيار الإغاثة
حذر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من التداعيات الإنسانية لتقليص المساعدات، معتبراً أن القرار يهدد بتفاقم الجوع ويزيد المخاطر التي تواجه الفئات الأكثر هشاشة.
وطالب المكتب المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالضغط من أجل ضمان دخول المساعدات الإنسانية دون قيود، كما دعا الدول العربية والإسلامية إلى تقديم دعم مالي عاجل لبرامج الإغاثة.
وتعكس هذه المطالب حجم الاعتماد على المؤسسات الإنسانية في توفير الاحتياجات الأساسية، في ظل محدودية قدرة المؤسسات المحلية على تعويض النقص في التمويل والإمدادات.
وفي شهادة نقلتها وكالة رويترز، عبّرت الفلسطينية صابرين كحيل، التي تقيم في خيمة داخل مخيم النصيرات وسط القطاع، عن إنهاك السكان جراء سنوات الحرب والدمار والحصار، مؤكدة أن معاناتهم اليومية لم تنتهِ مع وقف إطلاق النار.
وتكشف هذه الشهادة عن الفجوة بين التهدئة السياسية والتحسن الفعلي في حياة السكان، الذين ما زالوا يواجهون صعوبات في الحصول على الغذاء والمأوى والخدمات الأساسية.
هل تعود غزة إلى مرحلة المجاعة؟
لا يعني تقليص المساعدات وحده إعلان عودة المجاعة رسمياً، لكنه يرفع مخاطر تفاقم انعدام الأمن الغذائي في قطاع يعاني بالفعل من مستويات مرتفعة من الجوع، وفق البيانات الأممية.
وكان برنامج الأغذية العالمي قد حذر سابقاً من أن التحسن المحدود في الأمن الغذائي يمكن أن يتراجع سريعاً إذا لم يستمر تدفق المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية.
وخلال الأشهر الستة المقبلة، سيعتمد مسار الأزمة على ثلاثة عوامل رئيسية: توفير التمويل المطلوب، وضمان دخول الغذاء والمواد الأساسية بانتظام، وقدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
وإذا استمر نقص التمويل بالتزامن مع تعثر الإمدادات، فقد تضطر المنظمات إلى توسيع نطاق تقليص المساعدات، بما يزيد الضغوط على الأسر الفقيرة ويرفع احتمالات سوء التغذية. أما توفير التمويل ورفع القيود التي تعرقل وصول الإمدادات، فيمكن أن يساعدا على الحد من التدهور ومنع اتساع دائرة الجوع.
في رأيي
تكشف أزمة المساعدات في غزة أن وقف إطلاق النار لا يضمن وحده تعافي المجتمع، ما دامت أسباب الأزمة الاقتصادية والإنسانية قائمة، وما دامت الأسر عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية دون الاعتماد على الإغاثة.
والخطورة هنا أن تقليص المساعدات يأتي في مرحلة لا تمتلك فيها غالبية الأسر بدائل حقيقية لتعويض النقص؛ فالعمل محدود، والمساكن مدمرة أو متضررة، والقدرة الشرائية ضعيفة، فيما يقترب الشتاء بما يحمله من احتياجات إضافية للنازحين.
لذلك، فإن التعامل مع الأزمة باعتبارها مشكلة تمويل إنساني فقط لا يكفي. المطلوب توفير الأموال العاجلة، وضمان وصول الغذاء والدواء والوقود ومواد الإيواء، إلى جانب إطلاق مسار جاد لإعادة بناء الخدمات ومصادر الرزق.
إن الأشهر المقبلة ستكشف ما إذا كان المجتمع الدولي قادراً على حماية التحسن المحدود في الأمن الغذائي، أم أن نقص التمويل سيعيد مئات الآلاف إلى مستويات أشد من الحرمان. وفي الحالتين، يبقى توفير الغذاء حقاً أساسياً للمدنيين، لا ينبغي أن يتوقف على تراجع التبرعات أو تعثر الاستجابة الدولية.


