حين ترتجف شوارع باريس تحت وطأة الغضب وتغصّ بأعين الملايين، يتقاطر السؤال كشفرات الخناجر: ماذا جلب المهاجرون لفرنسا؟ لكنهم يتوارون عن السؤال الأجلّ والأفدح: ما هي الجريمة الملطخة بالدماء التي تدفع فرنسا أثمانها اليوم من عظام أبنائها ومستقبلها؟
ضحايا الكاميرون الأبرار
الباحث في التاريخ والاجتماع عبده فايد؛ يقول: خذوا بيدي لنغوص معاً في سراديب الذاكرة السوداء، حيث لا يُصنع التاريخ بالحبر، بل بأشلاء الأمم المنهوبة.
مشجعو الكرة يلهجون باسم ستاد أحمدو أهيدجو في ياوندي، ولا يعلمون أن أحمدو لم يكن سوى دمية ماريونت في يد العسكر الاستعماري.
إبادة التطهير الكاميروني
حين ثار البطل إرنست أواندييه ومعه اتحاد الشعوب الكاميرونية رافضاً العبودية، لم يواجهه جيش محلي، بل أنزلت باريس كتائب الملايين والمرتزقة لتطبيق أبشع سياسات التطهير؛ قرىً أُحرقت بأكملها، رجالٌ رُمي بالرصاص في عقر دورهم، نساءٌ مُزقت أثداؤهن، وعجائز بُقرت بطونهم بسكاكين جمهورية الأنوار.
جحيم غابات سانجا
ولا تقف الفاجعة عند الكاميرون؛ ففي غابات سانجا أوينجي الخلابة بين الكونغو وإفريقيا الوسطى، أدارت فرنسا تجارة المطاط بالسياط والحديد، وحين تمرد الأفارقة، أطلقت عليهم الكلاب البوليسية لتهرس لحومهم أحياءً، مقتدية بسجلها الدموي في هاييتي حين محت خمسين ألف جندي عام 1804.
تنصيب الطاغية بوكاسا
وحين حان صنيع الرحيل الظاهري، جلبوا المعتوه جان بيدل بوكاسا الذي تلذذ بدفن البشر أحياء، فنصبته باريس إمبراطوراً في حفلة تكلفت نصف ميزانية ثالث أفقر دولة في العالم، بعد رشاوى مالية طائلة تهاوت في جيب الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان، فيما عرف بفضيحة الألماس.
بازيليك سيدة السلام
في كوت ديفوار، أنفقوا مئات ملايين الدولارات لتشييد بازيليك سيدة السلام في ياموسوكرو لتخليد دمية فرنسا فيليكس هوافيه بوانييه، الذي تخطى منصب وزير الصحة في الحكومة الفرنسية ليصبح رئيساً مصطنعاً لساحة العاج، متجاهلاً فقر شعبه وحاجة أجياله لأبسط مقومات العيش الكريم.
شبكة شيطان فوكار
هنا تجلّى شيطان فرنسا الأكبر جاك فوكار، مهندس سياسة فرانس أفريقيا، مستعيناً بالثلاثي الجهنمي: العميل بوانييه، والمرتزق سيء الصيت بوب دينار، وجيش المرتزقة السري؛ ليحركوا دماء القارة، ويسحقوا استقلال جزر القمر، ويدبروا الانقلابات ضد سيكوتوري في غينيا، وسمسرة الانقلاب في غانا.
حرب بيافرا الدامية
امتدت أيادي الدم لتشمل دعم حرب بيافرا في نيجيريا عام 1968 بالمال والعتاد العسكري، وهي حرب مجهولة لكثير من الناس، راح ضحيتها رقم مهول يتراوح بين مليون إلى ثلاثة ملايين مدني معظمهم من النساء والأطفال، لتثبت باريس أن مصالحها تباركت على أنهار دماء الأبرياء.
فضيحة شركة إلف
لم تكن توتال وعملاقتها وليدة الاقتصاد النظيف، بل وريثة شركة إلف المشؤومة، التي كشفت عنها القاضية إيف جولي عام 2000، لتثبت أن باريس موّلت انقلاباتها بإيرادات النفط الإفريقي، ووزعت مئات ملايين الفرَنكات رشاوى على قادة وجنرالات وساسة فرنسيين لم تتوقف أطماعهم.
أطماع أنجولا المظلمة
تكررت السقطة المدوية في الحرب الأهلية بأنجولا عبر صفقات السلاح المشبوهة، حيث تساقطت ملايين الفرنكات في أيدي جان كريستوف ميتران، وشارل باسكوا، وجاك أتالي، ليتبين أن ما يسمى بجمهورية النور ما هي إلا واجهة لغسيل دماء الشعوب ونهب مقدراتهم وثرواتهم دون واهب ضمير.
أكذوبة المهاجرين الهمج
حين تهتف الحشود اليوم غاضبة في فرنسا، ينبري بعض المنبطحين ليرددوا أسطوانة اليمين المتطرف بأن الأفارقة همج تدفقوا لخراب أمة الحضارة والجمال.، كذبوا والله! لقد عاش الأفارقة أسياداً لقرون في أراضيهم، حتى داهمتهم فرنسا القزمة لتسرق الشمس والهواء والمستقبل الأبدي لأوطانهم.
الثمن الواجب دفعه
ومن يسرق الأوطان، عليه ألا يبكي حين يطرق الضحايا بواباته بالملايين، فما المهاجرون اليوم إلا أصحاب حق تردّد أصواتهم في عقر دار الجاني.
إن الكفة لن تتعادل إلا إذا دفعت فرنسا لكل الدول المستعمرة ناتجها القومي للقرنين القادمين كتعويض بسيط عن فظائعها.
اعترافات الجندي باردييه
يبقى في الأذن صدى اعتراف الجندي الفرنسي ماكس باردييه في وثائقي فرانس 24 عن حرب الكاميرون السرية: لو كنت مكانهم، لكُنْتُ حانقاً على فرنسا، ولَحَقَدتُ على كل الفرنسيين. هذا هو الشعور الوحيد الصادق وسط ركام التاريخ، حقد مرير يلاحق دولة أخفت أنيابها السمّاسة.
سُم فرنسا الأبدي
حقد مرير يتوارثه الأحياء من بلد أخفى أنيابه السمّاسة خلف أناجيل التنوير وبصق السم الزعاف في أجساد مئات ملايين البشر، سمّ لا يزال يحرق الأرواح، واسمه الأبدي المحفور في ذاكرة الدم والرماد.. فرنسا بكل ما ارتكبته من جرائم لا تُنسى!