في خطوة دبلوماسية تأتي وسط تصاعد احتمالات استئناف المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، أرسل نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس رسالة إلى المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي، بتوجيه من الرئيس دونالد ترمب، بهدف استكشاف إمكانية استئناف المفاوضات بين البلدين، وفق تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» في 28 أكتوبر 2026، استناداً إلى مسؤولين أميركيين وأشخاص مطلعين على الاتصالات.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من توقيتها؛ إذ تأتي قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر، وفي ظل تقارير عن استعدادات لاحتمال شن ضربات أميركية جديدة على إيران بعد الانتخابات. ومع ذلك، لا يعني إرسال الرسالة أن واشنطن وطهران توصلتا إلى اتفاق، أو أن قراراً نهائياً بشن هجوم قد اتُّخذ بالفعل.
رسالة لاستكشاف فرص التفاوض وليست اتفاق سلام
بحسب المعلومات التي أوردتها الصحيفة، لم تتضمن رسالة فانس مقترح سلام نهائياً، بل استهدفت اختبار إمكانية إيجاد أرضية مشتركة تسمح بإعادة إطلاق المحادثات، بما قد يساعد على تجنب تصعيد عسكري جديد.
وتشير هذه الخطوة إلى أن إدارة ترمب لا تزال تدرس المسار الدبلوماسي بالتوازي مع الخيارات العسكرية. كما أن توجيه الرئيس الأميركي بإرسال الرسالة، وفق التقرير، يوضح أن المبادرة ليست تحركاً شخصياً من نائب الرئيس خارج توجهات الإدارة.
لكن من المهم التمييز بين ما كشفته الصحيفة وما لم يتأكد بعد: لم يُعلن عن اتفاق جديد بين الجانبين، ولم تُنشر تفاصيل كاملة عن مضمون الرسالة أو رد إيراني رسمي عليها. كذلك، لا تتوافر في التقارير المنشورة تأكيدات مستقلة كافية بشأن جميع تفاصيل الاتصال.
ونقلت وسائل إعلام أخرى الخبر عن «وول ستريت جورنال»، فيما أشار تقرير لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، نقلاً عن الصحيفة الأميركية، إلى أن الرئيس ترمب هدد باستئناف الهجمات بعد انتخابات التجديد النصفي. ولم تتمكن رويترز، وفق التقرير نفسه، من التحقق فوراً من صحة المعلومات المتعلقة بالرسالة.
لماذا اختير فانس للتواصل مع رضائي؟
تطرح هذه الخطوة سؤالاً بشأن اختيار فانس تحديداً، والتواصل مع محسن رضائي بدلاً من الاقتصار على القنوات الدبلوماسية التقليدية.
ومن الناحية السياسية، يمكن فهم المبادرة باعتبارها محاولة للوصول إلى شخصيات مؤثرة في منظومة الأمن القومي الإيراني، واستكشاف ما إذا كان التواصل مع مسؤولين يُنظر إليهم باعتبارهم من أصحاب المواقف المتشددة قادراً على تحقيق تقدم في ملف المفاوضات.
لكن لا ينبغي التعامل مع هذا التفسير باعتباره حقيقة مؤكدة بشأن دوافع فانس؛ فالتفاصيل المنشورة لا تكفي لإثبات أن اختيار رضائي يعكس تحولاً شاملاً في استراتيجية واشنطن تجاه مراكز صنع القرار الإيرانية.
وتكمن أهمية القناة الجديدة في اختبار مدى استعداد الطرفين لمناقشة تسوية، رغم التباعد بين مواقفهما. فإذا نجحت الاتصالات في تحديد نقاط تفاهم، فقد توفر مدخلاً لمفاوضات أوسع. أما إذا بقيت الرسالة دون رد عملي، فلن تكون المبادرة وحدها كافية لتغيير مسار الأزمة.
التهديد العسكري يرافق المسار الدبلوماسي
تأتي الاتصالات في وقت تتزايد فيه المخاوف من استئناف الضربات الأميركية. وذكرت «وول ستريت جورنال»، في تقرير منفصل نُشر في 28 أكتوبر، أن واشنطن أبلغت دولاً خليجية باحتمال تنفيذ حملة عسكرية قصيرة ومكثفة ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي.
ووفق التقرير، لم يكن ترمب قد اتخذ قراراً نهائياً، لكنه كان يميل إلى خيارات تستهدف منشآت إيرانية، بينها بنى تحتية ومواقع نووية. كما تحدث التقرير عن تعزيزات عسكرية أميركية وإجراءات احترازية لحماية القوات والمنشآت المعرضة للخطر.
وفي المقابل، حذر محللون نقلت الصحيفة آراءهم من أن القصف الإضافي قد لا يجبر طهران على تقديم التنازلات المطلوبة أميركياً، بل ربما يدفعها إلى التشدد في مواقفها المتعلقة ببرامجها الصاروخية والنووية.
وتبرز هنا معضلة أساسية أمام واشنطن: استخدام التهديد العسكري للضغط على إيران كي تتفاوض، مع احتمال أن يؤدي تنفيذ التهديد إلى إضعاف فرص التوصل إلى تسوية سياسية.
ويجب التأكيد أن الحديث عن الضربات المحتملة لا يثبت أن قرار الحرب قد اتُّخذ؛ فالتقرير نفسه يميز بين الاستعداد العسكري والقرار النهائي الذي يظل بيد الرئيس الأميركي.
الموقف الإيراني ومصالح طهران التفاوضية
على الجانب الإيراني، تزامنت الأنباء عن رسالة فانس مع تصريحات لوزير الخارجية عباس عراقجي في 28 أكتوبر، أكد فيها استمرار التواصل مع الوسطاء بشأن الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، ومراجعة أفكار لتسريع تنفيذ خطة إيرانية مدتها سبعة أيام.
وتشير هذه التصريحات إلى أن القنوات الدبلوماسية لم تتوقف بالكامل، حتى مع استمرار التهديدات المتبادلة.
لكن استمرار الاتصالات لا يعني أن إيران مستعدة لقبول الشروط الأميركية. فالمفاوضات المحتملة ستتأثر بالخلافات المتعلقة بالعقوبات والضغوط الاقتصادية والملف النووي وأمن الملاحة في مضيق هرمز، فضلاً عن الضمانات التي قد يطلبها كل طرف لتجنب عودة المواجهة.
ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن التفاوض في ظل تهديدات عسكرية مباشرة قد يثير مخاوف من تقديم تنازلات تحت الضغط، بينما ترى واشنطن أن استمرار الضغط الاقتصادي والعسكري قد يدفع طهران إلى إبداء مرونة أكبر.
وهذان تقديران سياسيان للموقفين، وليسا إعلانين رسميين عن النتائج التي ستنتهي إليها المفاوضات. كما لم يتأكد بعد أن رسالة فانس تضمنت معالجة تفصيلية لأي من هذه الملفات.
المصادر: صحيفة «وول ستريت جورنال»، 28 أكتوبر 2026؛ وتصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التي نقلتها صحيفة «الخليج» في التاريخ نفسه.
انتخابات التجديد النصفي وتأثيرها في القرار الأميركي
تضيف الانتخابات الأميركية المقررة في 3 نوفمبر عاملاً سياسياً مهماً إلى الأزمة. فإدارة ترمب تواجه اختباراً انتخابياً داخلياً، بينما يظل احتمال التصعيد العسكري أحد الملفات التي قد تؤثر في النقاش السياسي الأميركي.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن الإدارة تؤجل الضربات لأسباب انتخابية وحدها، أو أن نتيجة الانتخابات ستحدد بصورة آلية قرار الحرب أو السلام. فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة مباشرة على آلية صنع القرار داخل الإدارة الأميركية.
لكن توقيت التهديدات العسكرية والاتصالات الدبلوماسية يسمح بطرح احتمالين رئيسيين:
الأول، أن تسعى واشنطن إلى تحقيق تقدم تفاوضي قبل الانتخابات أو بعدها، مستفيدة من الضغط العسكري والاقتصادي لدفع إيران إلى قبول تسوية بشروط أميركية.
والثاني، أن تكون الإدارة بصدد استكمال الاستعدادات العسكرية مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، بحيث لا يصبح الخيار الدبلوماسي بديلاً نهائياً من القوة، بل وسيلة لاختبار فرص التوصل إلى اتفاق قبل اتخاذ قرار أكثر خطورة.
ولا يزال كلا الاحتمالين تقديراً لمسار الأزمة، وليس نتيجة مؤكدة.
ما انعكاسات التطورات على دول الخليج؟
تمثل التطورات مصدر قلق لدول الخليج، نظراً إلى أن أي مواجهة جديدة قد تمتد آثارها إلى أمن الملاحة والطاقة والمنشآت الحيوية والقواعد العسكرية في المنطقة.
وقد يؤدي استئناف الضربات إلى زيادة مخاطر اضطراب حركة التجارة والشحن، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، فضلاً عن احتمال تأثر أسواق النفط إذا تعرضت طرق الإمداد أو البنية التحتية للطاقة لاضطرابات.
وفي المقابل، فإن نجاح الاتصالات في استعادة المفاوضات قد يمنح دول المنطقة فرصة لاحتواء التصعيد وتجنب تكاليف مواجهة أوسع.
وتزداد أهمية التحرك الدبلوماسي الإقليمي في هذا السياق. فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن وفوداً من السعودية وباكستان وتركيا اجتمعت بمسؤولين إيرانيين في طهران يوم 26 أكتوبر، في إطار جهود لمنع تجدد القتال، مع الاتفاق على مواصلة المشاورات بشأن التعاون والأمن الإقليميين.
ويعكس ذلك وجود مصلحة إقليمية مشتركة في تجنب اتساع الصراع، حتى مع اختلاف حسابات الدول المعنية بشأن إيران والولايات المتحدة ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
تقدير الموقف: اختبار دبلوماسي تحت ضغط عسكري
تكشف رسالة فانس، إذا صحت التفاصيل التي أوردتها «وول ستريت جورنال»، عن محاولة أميركية لاختبار إمكان إعادة فتح المسار السياسي في لحظة ترتفع فيها مخاطر المواجهة.
لكن لا توجد حتى الآن أدلة كافية على أن الرسالة أدت إلى اختراق تفاوضي، أو أن طهران وافقت على استئناف المحادثات وفق شروط محددة. كما لا يوجد ما يثبت أن واشنطن حسمت قرارها النهائي بشأن الضربات المحتملة.
وستتوقف دلالة هذه المبادرة على ثلاثة تطورات: ظهور رد إيراني واضح، وتحول الاتصالات إلى جدول أعمال تفاوضي يتناول الملفات الخلافية، وصدور مؤشرات موثوقة بشأن قرار الإدارة الأميركية النهائي.
الخلاصة: لا تعني قناة الاتصال الجديدة أن الحرب أصبحت مستبعدة، كما لا يعني التلويح بالضربات أن المواجهة باتت حتمية. المؤكد في حدود المعلومات المنشورة هو وجود تقرير عن رسالة أرسلها فانس بتوجيه من ترمب لاستكشاف فرص استئناف المفاوضات، بالتزامن مع استمرار الاستعدادات العسكرية والجهود الإقليمية لمنع التصعيد. أما نجاح المبادرة في تجنب الحرب، فيبقى أمراً لم تتضح نتائجه بعد.
المصدر: صحيفة «وول ستريت جورنال»


