تناقلت كبرى المنابر والتقارير الاقتصادية العالمية، وفي صدارتها التحليلات المعتمدة لدى الأسواق المالية ومؤسسات الاستثمار، قراءة تحذيرية للمشهد المالي عشية صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي لشهر يوليو.
وسلطت الصحف الضوء على مفارقة استثنائية تعيشها وول ستريت؛ حيث لم يعد التراجع المتوقع في معدلات التضخم يمثل مظلة أمان صعودية للأسهم، بل تحول إلى جرس إنذار يكشف انكماش الطلب الداخلي وبداية انكشاف تداعيات صدمة الطاقة والحرب.
يأتي ذلك في وقت تظهر فيه المؤشرات الفنية للأسواق تراجعاً في الأحجام والزخم، بالتزامن مع تحركات غير مستقرة للذهب والدولار تعكس تشكك الاستثمار العالمي في المسار القادم لأسعار الفائدة.
هشاشة المؤشرات
يحوم مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” قرب مستويات قياسية وسط تراجع أحجام التداول وزخم مؤشر القوة النسبية (RSI)، بينما يواجه قطاع التكنولوجيا بـ “ناسداك 100” صعوبات في اختراق قمم الصيف، مما ينذر بتلاشي ثقة المراهنين.
وتأثرت الأسواق بانهيار اتفاق إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف التوترات؛ حيث تبددت آمال التهدئة التي قادت الارتفاعات السابقة، لتنكشف التقييمات المرتفعة للأسهم أمام مخاطر الاستقرار الميداني وضغوط الإمدادات.
إشارات الذهب
سجل الذهب قفزات صعودية متجاوزاً ضغوط الحرب التجارية، بالتوازي مع تراجع مؤشر الدولار واستقرار السندات؛ وهو مزيج يعكس شكوكاً عميقة لدى المستثمرين في جدوى سيناريوهات الاستمرار في تشديد السياسة النقدية.
وتترقب الأسواق انخفاض التضخم الرئيسي إلى 3.4% سنوياً (أدنى مستوى في 4 أشهر) والمؤشر الأساسي إلى 2.5%، وذلك عقب مفاجأة بيانات يونيو التي شهدت انخفاضاً غير مسبوق تجاوز توقعات الفيدرالي بكليفلاند لهامش عقدين.
تباطؤ الخدمات
تجاوز تراجع تضخم يونيو مجرد الهبوط العابر بأسعار الطاقة، ليسجل قطاع الخدمات الأساسية انخفاضاً هو الأول من نوعه منذ يناير 2021، مما ينذر ببدء انكماش الإنفاق الاستهلاكي الخاص الذي يشكل 68% من الاقتصاد الأمريكي.
وتتزايد المخاوف من أن تتحول الصدمة التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط إلى صدمة انكماشية هيكلية؛ حيث أدت الضغوط المعيشية المتواصلة على الأسر إلى تقليص الطلب المحلي وإضعاف محركات النمو الأساسية.
فخ الانكماش والفيدرالي
تؤكد التحركات المتقاطعة بين الأسهم والذهب والدولار أن انخفاض التضخم القادم لم يعد يُقرأ كعلامة تعافٍ اقتصادية، بل كدليل على تباطؤ حاد في الإنفاق والطلب الاستهلاكي؛ وهو ما يضع بنك الاحتياطي الفيدرالي أمام خيارات معقدة لتفادي السقوط في فخ الركود الانكماشي، ويفرض على الأسواق المالية إعادة تسعير الأصول بناءً على معادلات جديدة لا تعتمد على الرهانات التفاؤلية المفرطة.


