تواجه المنظومة الأمنية والسياسية في الكيان الصهيونى المحتل، معضلة جيواستراتيجية بالغة التهديد والتكلفة، بعد أن كشفت بيانات موثقة لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن سيطرة تل أبيب على نحو ألف كيلومتر مربع من أراضي الشرق الأوسط الموزعة بين قطاع غزة وجنوب لبنان وسوريا.
وذلك منذ انطلاق العمليات العسكرية في السابع من أكتوبر لعام 2023. وتمثل هذه الرقعة الجغرافية المقتطعة ما يوازي 5% من مساحة الاحتلال الإجمالية المحددة ضمن خطوط هدنة عام 1949.
يعكس ذلك ترجمة ميدانية صارمة للعقيدة الهجومية الجديدة التي صاغتها حكومة بنيامين نتنياهو لإنشاء ما يُعرف بـ “الأطواق والأحزمة الأمنية” العازلة على طول حدود البلاد.
وحظي هذا التقرير الاستقصائي الاستراتيجي بتحليلات واسعة من وكالات الأنباء العالمية والصحف الدولية التي حذرت من تداعيات هذا التمدد القسري الذي تسبب في نزوح ملايين المدنيين من اصحاب الأرض الاصليين وإحداث دمار شامل في البنى التحتية للمنطقة.
ويأتى ذلك وسط مخاوف متنامية من تحوله إلى احتلال استيطاني طويل الأمد يغذي طموحات التيار اليميني المتطرف الطامح لمكاسب إقليمية أوسع في دول الجوار.
أحزمة محترقة في الشام والقطاع
وتكشف القراءة الخرائطية التفصيلية التي نشرتها الصحيفة اللندنية، مستندة إلى إحداثيات ومواقع قواعد جيش الاحتلال الإسرائيلي، أن أكثر من نصف هذه الأراضي المحتلة تقع داخل العمق الجغرافي لجنوب لبنان.
وفرضت القوات الإسرائيلية أكبر منطقة عازلة تمتد في بعض النقاط حتى نهر الليطاني بهدف إبعاد خطر صواريخ حزب الله الموجهة عن مستوطنات الشمال، متبعة تكتيكاً هجيناً يقوم على تسوية قرى بأكملها بالأرض لمنع أي اختراق بري مستقبلي.
وبالتوازي مع الجبهة اللبنانية، يحكم الجيش الإسرائيلي قبضته على ما يزيد عن نصف مساحة قطاع غزة عبر ممرات عسكرية مدرعة وأحزمة عازلة واسعة التهمت أراضي القطاع.
وأسفر ذلك عن حشر واحتجاز ما يقارب مليوني فلسطيني في شريط ضيق لا يتجاوز 40% من المساحة الأصلية لفلسطين المحتلة، بينما توزعت بقية الأراضي المقتطعة في العمق السوري بعد أن استغلت تل أبيب الانهيارات الهيكلية الداخلية هناك للتوغل عدة كيلومترات وتأمين المرتفعات الاستراتيجية المتاخمة لجبل الشيخ.
ضغوط ثلاثية
ويرى مراقبون في معاهد الدراسات الدولية أن هذه الاستراتيجية المرتكزة على السيطرة الدائمة تضع الاقتصاد الإسرائيلي المترنح وجيشها المنهك تحت وطأة ضغوط مالية وعملياتية هائلة وغير مسبوقة.
ويؤكد اقتصاديون أن نشر قوافل ومجموعات قتالية ثابتة وتسيير دوريات عسكرية مكثفة على ثلاث جبهات مشتعلة ومتزامنة يلتهم ميزانيات ضخمة ويستنزف قوات الاحتياط بصورة تعيق تعافي قطاعات الأعمال والإنتاج المحلية.
وينبه المراقبون والدبلوماسيون إلى أن تصريحات وزير دفاع الكيان المحتل، يسرائيل كاتس، التي أكد فيها عدم وجود أي نوايا لمغادرة تلك المناطق العازلة في المدى المنظور، تعزز من فرضية انزلاق المنطقة نحو سناريو “الحرب الدائمة” وحرب الاستنزاف المفتوحة.
و يرفع ذلك من كلف التأمين والمخاطر الجيوسياسية لشرق المتوسط بأكمله في ظل فضاء دولي يتشكل بملامح متعددة الأقطاب.
تآكل نظرية الردع
إن مفهوم “الأطواق الأمنية” الذي يتبناه نتنياهو يمثل تراجعاً تكتيكياً لنظرية الردع التقليدية واستبدالها بنظام احتلال مباشر باهظ الكلفة من الناحيتين العسكرية والمالية.
إن حشر ملايين السكان الاصليين للأرض في معازل جغرافية ضيقة في غزة ولبنان، ومحاولة هندسة جغرافيا المنطقة بالقوة المسلحة، لن يجلب الاستقرار لبلدات الشمال أو غلاف غزة، بل يحول هذه المناطق العازلة إلى خطوط مواجهة دائمة ومستهدفة برأس المال البشري والتكنولوجي للفصائل المقاومة.
و يتضح أن الكيان الصهيونى المحتل بات أسير لنجاحاته -المزعومة التى يصدقها – العسكرية الموضعية؛ فكل كيلومتر مربع جديد تلتهمه جرافات الجيش يتحول إلى عبء مالي وأمني يستوجب الحراسة والتمويل المستمر،
ويهدد ذلك بإنهاك بنية الدولة العبرية- الوهمية- التى يحلمون بها من الداخل ويسرع من تحول الصراع إلى حرب بقاء شاملة ومستدامة، تؤكد أن السيادة الإقليمية في الشرق الأوسط لم تعد قابلة للحسم الأحادي في ظل نظام عالمي معقد ومتبدل التوازنات.


