في الحروب، لا يكون الأطفال على الهامش… بل في القلب من المأساة.
هم الذين يذهبون إلى مدارسهم حاملين دفاترهم، لا دروعهم،
ويستقبلون يومهم بأبجدية الحياة، لا بلغة الموت.
لكن رصاصة طائشة، أو قذيفة متعمّدة، قادرة على أن تمحو طفولتهم في لحظة، وتحوّل الفصل الدراسي إلى شاهد قبر.
في ذكرى مذبحة بحر البقر، لا نستعيد الأرقام بقدر ما نستعيد الوجوه: عيون صغيرة كانت تحلم، وأصوات كانت تتعلّم، ثم صمتت فجأة.
تلك الجريمة الصهيونية لم تكن مجرد واقعة في زمن الحرب، بل علامة فارقة تُذكّر بأن العالم، كلما صمت على قتل الأطفال، شارك فيه ولو بالصمت.
إن استدعاء هذه الذكرى ليس للبكاء، بل للتذكير: أن الطفل، في أي حرب، ليس رقمًا في بيان، بل إنسانًا كان يمكن أن يصبح كل شيء… لولا أن العالم لم يحمه.
الأربعاء الحزين
– في صباح يوم الأربعاء، الثامن من أبريل عام 1970م، وفي تمام الساعة 9:20 صباحا، جاءت 5 طائرات فانتوم أمريكية (على الطيران المنخفض)، إلى المدرسة الابتدائية الوحيدة بقرية بحر البقر، بمحافظة الشرقية المصرية، وقامت بقصف المدرسة بشكل مباشر بواسطة 5 قنابل (تزن 1000 رطل) وصاروخين، وأدي هذا لتدمير المبنى بالكامل.. واختلطت جثث القتلى بالجرحى، وتلطّخت كراسات الصغار بالدماء.. واستشهد 30 طفلًا، وأصيب 36 آخرون..
– كانت المدرسة تتكون من دور واحد، وعدد تلاميذها 130 طفلا.. أعمارهم تتراوح من 6 أعوام إلى 12 عامًا، ومن حُسن الحظ أن هذا اليوم كان عدد الحضور 86 تلميذًا فقط..
– قطعت الإذاعة المصرية بثها لتذيع هذا البيان العاجل:
(أيها الأخوة المواطنون، جاءنا البيان التالي.. أقدم العدو في تمام الساعة التاسعة و20 دقيقة من صباح اليوم، علي جريمة جديدة تفوق حد التصوّر، عندما أغار بطائراته الفانتوم الأمريكية على مدرسة بحر البقر الابتدائية المشتركة بمحافظة الشرقية، وسقط الأطفال بين سن السادسة والثانية عشر تحت جحيمٍ من النيران)
وقد هزت هذه الجريمة الشاعر صلاح جاهين، فكتب أغنية للمطربة شادية..
تُصوّرُ الأغنية “مُعلِّمة” من مدرسة بحر البقر تقف أمام الصغار وتقول:
زرعَ .. يردّ الصغار : زرعَ
حَصَدَ .. يرد الصغار: حصدَ.
ثم تصرخ شادية وتقول:
قَتَلَ..
قَتَلَ..
ذَبَحَ..
ذَبَحَ..
وأُذيعَت هذه الأغنية مرة واحدة فقط من التليفزيون المصري، وكان لها تأثير رهيب على عواطف الشعب المصري.. مما دفع الحكومة إلى حظر إذاعة هذه الأغنية طيلة عقود:
الدرس انتهى لِمُّوا الكراريس/
بالدمّ اللي على ورقهم سـال/
في قصـر الأمم المتــحدة/
مسـابقة لرسـوم الأطـفال/
إيه رأيك في البقع الحمـرا/
يا ضمير العالم يا عزيزي/
دي لطفـلة مصرية وسمرا/
كانت من أشـطر تلاميذي/
هكذا استهل الشاعر صلاح جاهين رائعته الشهيرة، مسجلًا شهادته عن مجزرة بحر البقر، التي نفّذتها إسرائيل بطائرات الفانتوم الأمريكية، بمحافظة الشرقية، مركز الحسينية، مصر.
تبقى بحر البقر أكثر من ذكرى؛ إنها سؤال مفتوح في وجه العالم: من يحمي الأطفال حين تتوحش الحروب؟
وما قيمة العدالة إن عجزت عن إنصاف دفاتر كُتبت بالدم؟
سيظل الدرس قائمًا، لا في الكتب، بل في ضمير الإنسانية… إن بقي لها ضمير.
وصدق الله العظيم:
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا..} (82 – المائدة)
—————-
يسري الخطيب






