في مثل هذا اليوم قبل عشر سنوات، كان العالم يودع أحد أعظم أبناء مصر والعالم العربي، العالم أحمد حسن زويل، الذي غادرنا في 2 أغسطس 2016م، بعد رحلة علمية حافلة استثنائية .
لكن إرثه العلمي يظل نابضًا بالحياة في كل مرة تومض فيها أشعة الليزر فائقة السرعة، كاشفة أسرارًا كانت مستعصية على الفهم.
إنها ذكرى وفاته التي تذكرنا كيف استطاع ابن مدينة دسوق الصغيرة أن يضيء سماء العلم بنور فكره، ليصبح أول عربي يحصل على جائزة نوبل في مجال العلوم .
من دسوق إلى كالتيش: رحلة العبقرية
وُلِد أحمد حسن زويل في 26 فبراير 1946م، بمدينة دمنهور، ونشأ في مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ.
كانت البداية في أحضان مصر، حيث حصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير من جامعة الإسكندرية، لتبدأ رحلة الشغف بالعلم .
لم يقف عند هذا الحد، بل شد الرحال إلى الولايات المتحدة في رحلة بحث عن المعرفة، ليلتحق بجامعة بنسلفانيا حيث نال شهادة الدكتوراة في الكيمياء عام 1974م .
ثم كانت محطة مهمة في جامعة كاليفورنيا (بيركلي) كباحث، قبل أن يستقر به المقام في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) عام 1976م، ليصبح أستاذًا لكرسي “لاينوس باولينغ” للفيزياء الكيميائية عام 1990م .
فيمتو ثانية: عندما توقف الزمن لفك شفرة الكون
لم يكن نجاح زويل مجرد ترقية أكاديمية، بل كان ثورة حقيقية في عالم الكيمياء. فقد استطاع في سلسلة من التجارب الرائدة خلال ثمانينيات القرن الماضي أن يصنع ما يشبه “أسرع كاميرا في العالم” .
هذه التقنية التي تعتمد على ومضات ليزرية فائقة القصر، تقاس بوحدة “الفيمتو ثانية”، وهي جزء من مليون مليار جزء من الثانية (10<sup>-15</sup> من الثانية)، وهو رقم لا يكاد يُستوعب، فهو يعادل ما تعنيه الثانية الواحدة مقارنة بـ 32 مليون سنة .
هذه الكاميرا الفائقة السرعة سمحت للعلماء ولأول مرة برؤية الذرات في “حركة بطيئة” أثناء تفاعلاتها الكيميائية، وكيف تنكسر الروابط وتتشكل أخرى جديدة .
لقد ولد مجال جديد من الفيزياء الكيميائية عُرف باسم “كيمياء الفيمتو” (Femtochemistry)، والذي مكّن العلماء من فهم سبب حدوث بعض التفاعلات دون غيرها، وفتح آفاقًا واسعة في تصميم الأدوية وفهم العمليات الحيوية الدقيقة .
تكريم عالمي ونوبل
جاء التتويج الطبيعي لهذه المسيرة العظيمة في 12 أكتوبر 1999م، عندما أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منحه جائزة نوبل في الكيمياء بمفرده، تقديرًا لدراساته الرائدة للحالات الانتقالية في التفاعلات الكيميائية باستخدام مطيافية الفيمتو ثانية .
وكان هذا إنجازًا تاريخيًا جعله أول عالم من مصر والعالم العربي يفوز بجائزة نوبل في مجال العلوم .
لم يتوقف عطاؤه عند هذا الحد، بل واصل تطوير تقنياته ليبتكر “المجهر الإلكتروني رباعي الأبعاد” (4D)، الذي سمح بمشاهدة ديناميكيات الذرات في الزمان والمكان معًا، متجاوزًا حدود التصوير الثابت إلى تصوير العمليات في حركتها الحية .
وكان له دور بارز كخبير علمي ومستشار للرئاسة الأمريكية، وسفيرًا للعلم في الشرق الأوسط، ومؤسسًا لمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا في مصر، التي تعتبر منارة علمية وأملًا في نهضة علمية عربية .
ذكرى خالدة
قضى زويل نحبه في منزله قرب باسادينا بكاليفورنيا، بعد صراع مع مرض السرطان عن عمر يناهز السبعين عامًا .
كان وداعًا لعلم جليل، لكن إرثه المتمثل في آلاف الأبحاث، واكتشاف غيّر مسار العلم، وأجيال من التلاميذ في أنحاء العالم، يبقى شاهدًا على عظمة الروح البشرية القادرة على اختراق حجب الظلام.
في رحلته من دسوق إلى قمة نوبل، أثبت أحمد زويل أن العبقرية لا تعرف حدودًا، وأن الإصرار والعلم هما مفتاحا النهضة، تاركًا للبشرية إرثًا يذكرنا دائمًا بأن مستقبل الأمم يصنعه العباقرة وأصحاب الرؤى.
محطات
وُلِد أحمد زويل في 26 فبراير 1946م، بدمنهور، ونشأ في دسوق بمحافظة كفر الشيخ.
تخرّج في كلية العلوم بجامعة الإسكندرية عام 1967م، ثم نال الدكتوراة من جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة.
التحق بمعهد كاليفورنيا للتقنية (كالتك)، وأصبح أستاذًا للكيمياء والفيزياء.
أسّس علم «كيمياء الفيمتو»، الذي أتاح تصوير التفاعلات الكيميائية في زمن الفيمتو ثانية.
نشر أكثر من 350 بحثًا علميًا في أبرز المجلات العالمية.
فاز بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1999م، كأول مصري وعربي ينالها في هذا التخصص.
شغل مناصب علمية واستشارية رفيعة في الولايات المتحدة، واختير ضمن أبرز العلماء المؤثرين.
حصد عشرات الجوائز والأوسمة العالمية، وفي مقدمتها قلادة النيل العظمى وعدد من الجوائز العلمية الدولية المرموقة.


