تسلط الضوء في الآونة الأخيرة على مواجهة صامتة ولكنها شديدة الحساسية تشهدها قبرص الشمالية، تتقاطع فيها التوازنات السياسية مع الأسئلة الوجودية حول هوية المجتمع وشكل التدين العام.
يأتي ذلك عقب صدور تحليلات متخصصة تكشف عن توسع مطرد في الدور الذي تلعبه تركيا في إدارة وهيكلة المؤسسات الدينية والتعليمية بالجزء الشمالي من الجزيرة، وسط تصاعد القلق لدى قطاعات من القبارصة الأتراك من انجراف مجتمعهم ذي التقاليد العلمانية التاريخية نحو مسار تمليه الأجندات السياسية الخارجية.
التوسع الديني
أوضحت المحللة نيكوليتا كوروشي في قراءتها المنشورة في 28 أغسطس أن التغلغل التركي في الشأن الديني بشمال قبرص تجاوز مجرد الرعاية التقليدية، ليعبر عن استراتيجية إعادة تشكيل للمجال العام عبر التعليم والمؤسسات؛ ما يثير مخاوف حقيقية لدى النخب المحلية من أن تؤدي هذه السياسات إلى انحسار الهوية العلمانية الاصيلة للقبارصة الأتراك وتوظيف الدين لصالح تثبيت الولاء السياسي لتركيا بدلاً من تلبية الاحتياجات الروحية للمجتمع.
صعود النموذج التركي
تأتي هذه التحركات امتداداً للتحول البنيوي الذي يشهده الداخل التركي ذاته؛ حيث يشير تحليل صادر عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن النموذج الناشئ في عهد حزب العدالة والتنمية ينطلق من تعزيز المظاهر الإسلامية وإزالة القيود الكمالية السابقة مع إحكام سيطرة الدولة على التنظيم الديني عبر “رئاسة الشؤون الدينية” (ديانت).
ويرى الخبراء أن أنقرة تسعى لتصدير هذا النموذج الذي يدمج الحضور الديني المكثف بالمركزية الحكومية إلى خارج الحدود، متخذة من قبرص الشمالية مختبراً رئيساً لتطبيقه.
الاستقطاب المحلي
تؤكد التقييمات الصادرة عن وكالات أنباء ومراكز أبحاث دولية أن القضية تتعدى نطاق بناء المساجد وتعيين الأئمة لتصل إلى الصراع على استقلالية القرار الاجتماعي القبرصي.
وحذر اقتصاديون ومحللون سياسيون في تقارير صحفية موثوقة من أن تحويل المؤسسات الدينية إلى أدوات للنفوذ السياسي السيادي قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ حيث سيفاقم الانقسام الداخلي بين التيارات المحافظة التي ترى في العلاقات مع أنقرة امتداداً طبيعياً، وبين القوى الاجتماعية الراغبة في حماية خصوصيتها الثقافية وصيانة العلمانية الموروثة عبر الأجيال.
النفوذ التركي
تثبت مجريات الأحداث في قبرص الشمالية أن ملف الهوية الدينية بات يشكل اختباراً معقداً لمستقبل العلاقات بين أنقرة والجزء الشمالي من الجزيرة.
وتؤكد القراءات التحليلية أن النجاح التركي في إدارة هذا الملف مرهون بقدرتها على موازنة دعم المؤسسات الدينية دون المساس باستقلالية المجتمع القبرصي التركي، قدر الامكان ولو كان مؤقتا، حتى يقود النموذج التركى والذى يميل الى تطبيق المظاهر والتقاليد الاسلامية السمحاء الجيل المقبل، ولا يصطدم فى نفس الوقت مع العقليات العلمانية، فيما يرى مراقبون ان انقره قادرة على ذلك ووصفوا ساسييها وعلمائها بالبارعون فى اختيار التوقيتات.


