يُعد محمد باقر قاليباف، رئيس برلمان نظام الملالي، واحداً من أبرز الوجوه التي تكشف تداخل القمع العسكري والأمني مع الفساد الاقتصادي داخل بنية الحكم في إيران حصوصا بعد رئاسته لوفد التفاوض مع واشنطنوتعيينه منسقا للعلاقات الإيرانية الصينية منذ ساعات .
فمسيرته، منذ السنوات الأولى لقيام نظام ولاية الفقيه، لم تكن مسيرة رجل دولة بالمعنى التقليدي، بل مسيرة عنصر صعد عبر أجهزة الحرس والباسيج والشرطة، وارتبط اسمه بملفات قمع الانتفاضات الشعبية، وملاحقة المعارضين، ونهب الثروات العامة، قبل أن يتصدر المشهد البرلماني بقرار من خامنئي.
وُلد قاليباف في 23 أغسطس 1961 في طرقبه بمحافظة خراسان الرضوية ومنذ وقت مبكر، انخرط في مؤسسات الحرس، وتولى خلال الحرب الإيرانية العراقية مناصب قيادية، بينها قيادة وحدات عسكرية تابعة لقوات الحرس.
صعود داخل الحرس
وتتهمه المعارضة الإيرانية بالمشاركة في إرسال أطفال وطلاب مدارس إلى حقول الألغام خلال الحرب، في واحدة من أكثر الصفحات قتامة في تاريخ النظام.
بعد الحرب، واصل قاليباف صعوده داخل هرم الحرس ، فقد تولى قيادة مقر النجف، ثم أصبح نائباً لقائد قوات الباسيج، وأسهم في تأسيس جهاز استخبارات الباسيج الذي استُخدم في اعتقال وقمع المعارضين.

وفي عام 1994 عُيّن قائداً لمقر “خاتم الأنبياء”، وهو أكبر ذراع اقتصادي لقوات الحرس، قبل أن يتولى قيادة القوة الجوية للحرس، حيث لعب دوراً في تطوير وحدات الصواريخ وتوسيعها.
“قمع الطلاب وأصحاب الهراوات”
لم يكن دور قاليباف أمنياً وعسكرياً فقط، بل كان حاضراً أيضاً في محطات قمعية مفصلية، ففي يوليو 1999، شارك في قمع انتفاضة الطلاب رغم أنه كان حينها قائداً للقوة الجوية في الحرس.
وقد تحدث لاحقاً، خلال حملته الرئاسية عام 2013، عن هذا الدور بنبرة تفاخر، مؤكداً أنه كان في الشارع على دراجة نارية ويحمل عصا، وأنه ينتمي إلى ما وصفه بجماعة “أصحاب الهراوات”.
هذا التصريح لم يكن زلة لسان، بل كشف طبيعة العقلية التي حكمت مسيرة قاليباف: رجل يعتبر ضرب الطلاب والمعارضين “شرفاً”، ويرى في العنف السياسي وسيلة مشروعة لحماية النظام.
وقد امتد هذا النهج حين عُيّن عام 2000 قائداً لقوى الأمن الداخلي، حيث أسس شرطة 110، وقاد خططاً أمنية واجتماعية صارمة، بينها ما عُرف بخطة “الأمن الأخلاقي”. وخلال احتجاجات الطلاب عام 2003، نُقل عنه قوله داخل مجلس الأمن الأعلى للنظام إنه سيسحق المحتجين بنفسه.
“بلدية طهران.. السلطة بوابة للنهب”
من عام 2005 حتى عام 2017، شغل قاليباف منصب عمدة طهران، وهي مرحلة ارتبطت بملفات واسعة من الفساد والنهب وتوزيع ممتلكات البلدية على مقربين من النظام عبر خصومات وامتيازات كبيرة. كما شهدت تلك الفترة تطبيق سياسات فصل بين الجنسين داخل البلدية، في انعكاس للنهج الأيديولوجي القمعي الذي يحكم مؤسسات النظام.
وتشير تقارير داخلية من داخل النظام نفسه إلى أن اسم قاليباف وعائلته ارتبط مراراً بقضايا فساد كبيرة. فقد وُجهت اتهامات إلى زوجته زهرا سادات مشير الاستخاره، ونجله إلياس قاليباف، في ملفات تعليمية واقتصادية. كما أُثيرت قضية مجمع “شمس الشموس” التعليمي في طهران، الذي يملكه نجل قاليباف، إضافة إلى تقارير عن دور عائلة قاليباف في ملف فساد بقيمة 1200 مليار تومان.

ومن أبرز الملفات أيضاً قضية شركة “ياس القابضة”، المرتبطة بمساعده السابق في بلدية طهران عيسى شريفي، والتي قُدّر حجم الفساد فيها بنحو 10 آلاف مليار تومان. كما تحدث أعضاء في مجلس مدينة طهران عن إحالة 12 قضية فساد مرتبطة بمرحلة رئاسة قاليباف للبلدية إلى القضاء، من دون أن يؤدي ذلك إلى محاسبته فعلياً.
“برلمان تحت قبضة الحرس”
لم تمنع هذه الملفات قاليباف من مواصلة صعوده السياسي. فقد ترشح للانتخابات الرئاسية عام 2017، ثم انسحب لصالح إبراهيم رئيسي، قبل أن يصبح رئيساً لبرلمان النظام من عام 2020 إلى عام 2024، ثم يُعاد تثبيته في رئاسة الدورة الجديدة للبرلمان بقرار من خامنئي.
ويعكس تعيين قاليباف على رأس البرلمان حقيقة بنيوية في النظام الإيراني: فالمناصب العليا لا تُمنح على أساس الكفاءة أو النزاهة، بل على أساس الولاء، والخبرة في القمع، والقدرة على حماية مصالح الحرس وشبكات السلطة والمال.
فقاليباف، الذي تنقل بين الحرس والباسيج والشرطة والبلدية والبرلمان، يمثل نموذجاً مكثفاً لما أنتجه نظام ولاية الفقيه من شخصيات تجمع بين العنف الأمني والفساد الاقتصادي والطموح السياسي.
وتكشف مسيرته أن البرلمان في إيران ليس مؤسسة تمثيلية مستقلة، بل جزء من منظومة الحكم المغلقة التي يديرها خامنئي والحرس. فرئيسه الحالي ليس شخصية مدنية خرجت من تنافس ديمقراطي، بل أحد أبناء الجهاز القمعي نفسه، ممن شاركوا في ضرب الطلاب، وقمع الاحتجاجات، وتوسيع أجهزة السيطرة، ثم دخلوا السياسة عبر بوابة الولاء والنهب.
وبذلك، لا تبدو سيرة قاليباف مجرد قصة فرد داخل النظام، بل مرآة لطبيعة هذا النظام نفسه: سلطة تصعد فيها الوجوه الأكثر تورطاً في القمع، وتبقى فيها ملفات الفساد بلا محاسبة، بينما يُدفع الشعب الإيراني ثمن الفقر والقمع والنهب. ومن هنا، فإن الحديث عن قاليباف هو في جوهره حديث عن بنية حكم جعلت من الحرس والفساد والهراوات أدوات لإدارة الدولة والمجتمع.


