قبل ثلاثة أيام من انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر 2026، تشهد الولايات المتحدة إقبالاً واسعاً على التصويت المبكر، مع تسجيل أكثر من 43 مليون ناخب أصواتهم بالبريد أو في مراكز الاقتراع المبكر، وفق تحليل وكالة أسوشيتد برس المنشور في 30 أكتوبر.
ويكتسب هذا الإقبال أهمية استثنائية لأنه يأتي في انتخابات لا يتنافس فيها دونالد ترامب شخصياً على منصب، لكنها ستحدد مستقبل سيطرته السياسية خلال النصف الثاني من ولايته، ومدى قدرة الحزب الجمهوري على الاحتفاظ بأغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ.
وتشير الأرقام الأولية إلى ارتفاع المشاركة المبكرة بنحو 10 ملايين صوت مقارنة بالفترة نفسها من انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، وهو ما يعكس اهتماماً انتخابياً مرتفعاً، لكنه لا يكشف وحده عن الحزب المستفيد من هذه المشاركة.
أولاً: ماذا تقول الأرقام عن حجم الإقبال؟
وفق بيانات وكالة أسوشيتد برس حتى 30 أكتوبر:
•تجاوز عدد المصوتين مبكراً 43 مليون أمريكي.
•ارتفع العدد بنحو 10 ملايين مقارنة بالفترة نفسها من انتخابات 2022.
•في الولايات التي تسجل الانتماء الحزبي للناخبين، بلغ عدد المصوتين المسجلين ديمقراطيين نحو 6.8 مليون، مقابل 5.2 مليون جمهوري.
•الأرقام الحزبية لا تشمل جميع الولايات، ولا تعني أن الناخب صوّت لمرشح حزبه بالضرورة.
وتبرز ولاية تكساس بصورة خاصة، حيث تجاوز عدد المصوتين مبكراً 6.3 مليون ناخب، بزيادة تقارب 50% عن الفترة المقابلة في انتخابات 2022.
كما سجلت كارولاينا الجنوبية زيادة بلغت 83%، وكانساس 34%، وميشيغان 32%، وماين 44%.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية لأن عدداً من هذه الولايات يشهد منافسات متقاربة على مقاعد مجلس الشيوخ والحكام والكونغرس.
ثانياً: هل الإقبال المبكر يصب في مصلحة الديمقراطيين؟
تشير الأرقام الأولية إلى تقدم الديمقراطيين في عدد الأصوات المبكرة داخل الولايات التي تكشف الانتماء الحزبي للناخبين.
لكن تفسير هذه الأرقام يحتاج إلى الحذر؛ فالديمقراطيون اعتادوا تاريخياً استخدام التصويت المبكر والبريد بصورة أكبر من الجمهوريين، وبالتالي فإن تقدمهم في هذه المرحلة لا يعني بالضرورة أنهم سيحصلون على أصوات أكثر عند إعلان النتائج النهائية.
وتكشف بيانات مؤسسة غالوب المنشورة في 29 أكتوبر عن اتجاه مهم:
الانتماء السياسي نسبة الذين يعتزمون التصويت مبكراً
الديمقراطيون 54%
الجمهوريون 38%
المستقلون 37%
وهذه النسب تعكس نوايا التصويت في استطلاع للمسجلين، وليست حصيلة فعلية للأصوات.
ويفسر اختلاف العادات الانتخابية جانباً من الفجوة؛ فالديمقراطيون أكثر ميلاً إلى التصويت المبكر، بينما لا يزال قطاع من الجمهوريين يفضل الذهاب إلى مراكز الاقتراع يوم الانتخابات.
قراءة انتخابية: يرى مايكل ماكدونالد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلوريدا والمسؤول عن مشروع متابعة التصويت المبكر، أن ارتفاع مشاركة الديمقراطيين والمستقلين في بعض الولايات يعكس حماسة انتخابية ملحوظة، وقد يرتبط بتحول الانتخابات إلى استفتاء سياسي على أداء ترامب.
لكن تشارلز ستيوارت، مدير مختبر علوم الانتخابات والبيانات بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يقدم قراءة أكثر تحفظاً؛ إذ يرى أن ارتفاع التصويت المبكر قد يكون مجرد انتقال لأصوات كانت ستُدلى يوم الانتخابات إلى فترة سابقة، وليس بالضرورة زيادة حقيقية في إجمالي المشاركة.
وهذا اختلاف مهم بين قراءتين: الأولى تركز على الحماسة السياسية، والثانية تحذر من الخلط بين توقيت التصويت وحجم المشاركة النهائي.
ثالثاً: ماذا يعني ذلك لترامب والحزب الجمهوري؟
رغم أن اسم ترامب ليس على ورقة الاقتراع، فإن الانتخابات تحمل أهمية مباشرة لمستقبله السياسي.
فالحزب الجمهوري يسيطر حالياً على مجلسي الكونغرس، وأي خسارة للأغلبية في أحدهما ستغير طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية.
وتتمثل التداعيات المحتملة في أربعة ملفات:
1. الرقابة والتحقيقات البرلمانية
إذا فقد الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب، فستتمكن المعارضة الديمقراطية من توسيع التحقيقات المتعلقة بإدارة ترامب، وسياسات الهجرة والإنفاق الفيدرالي والقرارات التنفيذية.
كما يمكنها استخدام اللجان البرلمانية لطلب الوثائق واستدعاء المسؤولين وعقد جلسات استماع.
2. تمرير القوانين والميزانية
فقدان الأغلبية سيجعل تمرير مشروعات القوانين والميزانيات أكثر صعوبة، ويمنح الديمقراطيين قدرة أكبر على تعطيل بعض أولويات الإدارة.
ويشير تود بيلت، أستاذ الإدارة السياسية بجامعة جورج واشنطن، إلى أن انتخابات التجديد النصفي تمثل عادة اختباراً شعبياً للرئيس، وأن الحزب الذي يشغل البيت الأبيض يتعرض تاريخياً لخسائر في هذه الانتخابات.
وبحسب بيانات الانتخابات منذ عام 1946، خسر حزب الرئيس في المتوسط 26.5 مقعداً في مجلس النواب خلال انتخابات التجديد النصفي.
3. تأثير النتائج على نفوذ ترامب داخل الحزب
إذا احتفظ الجمهوريون بالأغلبية، فسيكون ذلك دعماً سياسياً لترامب، ويعزز قدرته على التأثير في التشريعات واختيار قيادات الحزب وتحديد أولوياته.
أما إذا خسروا أحد المجلسين، فقد تتصاعد داخل الحزب مراجعات بشأن إدارة الحملات الانتخابية، ومدى تأثير سياسات البيت الأبيض على الناخبين المستقلين والمترددين.
4. الانتخابات الرئاسية المقبلة
ستؤثر نتائج نوفمبر في وضع الجمهوريين استعداداً للانتخابات الرئاسية لعام 2028، خصوصاً في تحديد الشخصيات التي ستتصدر الحزب بعد انتهاء ولاية ترامب.
لكن من المهم عدم اعتبار نتائج انتخابات الكونغرس حكماً نهائياً على فرص مرشح جمهوري بعينه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
رابعاً: هل يمكن أن ينقلب التصويت المبكر ضد الجمهوريين؟
هناك جانب آخر يستحق الاهتمام.
فترامب وحلفاؤه الجمهوريون انتقدوا مراراً التصويت بالبريد، وشككوا في موثوقيته، رغم أن التصويت المبكر يشمل أيضاً التصويت الحضوري الذي لا يواجه الاعتراضات نفسها.
وقد انعكست هذه الخلافات على السلوك الانتخابي داخل الحزب الجمهوري.
وتشير بيانات غالوب إلى أن الجمهوريين أقل ميلاً من الديمقراطيين إلى التصويت المبكر هذا العام.
لكن الحزب الجمهوري يعمل على تعويض ذلك بتشجيع أنصاره على التصويت الحضوري المبكر، وتنظيم حملات للوصول إلى الناخبين في المناطق الريفية والضواحي.
وهنا تظهر مشكلة استراتيجية: إذا نجح الديمقراطيون في تسجيل نسبة كبيرة من أنصارهم مبكراً، بينما تأخر الجمهوريون في المشاركة، فقد يواجه الحزب ضغطاً أكبر في الأيام الأخيرة، خصوصاً إذا لم تنجح حملاته في إخراج أنصاره إلى صناديق الاقتراع.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار الفارق الحالي دليلاً على خسارة الجمهوريين؛ لأن جزءاً مهماً من ناخبيهم قد يصوت في 3 نوفمبر.
خامساً: المستقلون.. الكتلة التي قد تحسم المنافسات
تكتسب مشاركة الناخبين المستقلين أهمية خاصة، لأنهم لا يلتزمون بالضرورة بالتصويت لحزب واحد، ويمكن أن تتغير اختياراتهم بين انتخابات وأخرى.
ويشير تحليل أكسيوس في 29 أكتوبر إلى ارتفاع المشاركة المبكرة بين المستقلين في عدد من الولايات، بما فيها كارولاينا الشمالية.
وتبرز أهمية هذه الفئة في ثلاثة ملفات:
•الاقتصاد والأسعار وتكاليف المعيشة.
•الهجرة وأمن الحدود.
•السياسة الخارجية والحرب مع إيران وتكاليف التدخلات الأمريكية.
ويعتقد بعض المحللين أن ارتفاع مشاركة المستقلين قد يعكس رغبة في محاسبة الإدارة على أدائها، لكن لا توجد أدلة تسمح باعتبار جميع الأصوات المستقلة معارضة لترامب.
فالمستقلون ليسوا كتلة واحدة؛ بعضهم محافظون يميلون إلى الجمهوريين، وبعضهم ليبراليون أقرب للديمقراطيين، وآخرون يغيرون مواقفهم وفق المرشحين والقضايا المحلية.
سادساً: ما الفئات العمرية الأكثر مشاركة؟
تظهر البيانات التاريخية أن كبار السن أكثر انتظاماً في المشاركة الانتخابية الأمريكية، سواء في الانتخابات الرئاسية أو انتخابات التجديد النصفي.
ويمكن تقسيم الاتجاهات العمرية المعتادة إلى أربع مجموعات:
الشباب من 18 إلى 29 عاماً:
تكون مشاركتهم عادة أقل من الفئات الأكبر سناً، لكنهم يمثلون شريحة مهمة في الولايات المتأرجحة، خصوصاً عندما تهيمن قضايا التعليم والوظائف والإسكان والإجهاض والمناخ على الحملات.
وفي انتخابات 2022، أظهرت بيانات مركز بيو للأبحاث أن الديمقراطيين حصلوا على تأييد 68% من الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً.
الفئة من 30 إلى 49 عاماً:
تتأثر مشاركتها بصورة كبيرة بالأوضاع الاقتصادية، وأسعار السكن والتأمين الصحي وتكاليف تربية الأطفال، وتضم شريحة واسعة من العاملين والأسر الشابة.
الفئة من 50 إلى 64 عاماً:
تتميز عادة بانتظام أكبر في المشاركة مقارنة بالشباب، وتكتسب قضايا الضرائب والوظائف والتقاعد والرعاية الصحية أهمية خاصة لديها.
من 65 عاماً فأكثر:
تعد من أكثر الفئات انتظاماً في التصويت، كما أنها الأكثر استخداماً للتصويت بالبريد في البيانات التاريخية.
ففي انتخابات 2024، استخدم قرابة 40% من الناخبين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر التصويت بالبريد، وفق تحليل مؤسسة States United.
وفي استطلاع غالوب لعام 2024، قال 51% من المسجلين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر إنهم يعتزمون التصويت مبكراً، مقابل 41% للفئة من 50 إلى 64 عاماً، و34% لمن هم دون الخمسين.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه أرقام تاريخية وليست توزيعاً عمرياً نهائياً للمصوتين في انتخابات 2026، إذ لم تتوافر بعد حصيلة وطنية مكتملة حسب العمر.
المصادر: مركز بيو للأبحاث، مكتب الإحصاء الأمريكي، مؤسسة غالوب، وبيانات الانتخابات السابقة.
سابعاً: هل الإقبال المبكر مؤشر على موجة انتخابية؟
يرى مايكل ماكدونالد أن ارتفاع المشاركة قد يدفع إجمالي التصويت إلى مستويات مرتفعة مقارنة بانتخابات التجديد النصفي السابقة، وربما يقترب من مستوى انتخابات 2018 التي شهدت مشاركة استثنائية.
لكن تشارلز ستيوارت يحذر من الاستنتاج المبكر، لأن ارتفاع عدد الأصوات المسجلة قبل الانتخابات لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في إجمالي المشاركين.
وهناك ثلاثة احتمالات ينبغي مراقبتها:
•أن تكون الزيادة نتيجة دخول ناخبين جدد إلى العملية السياسية، وهو ما قد يغير حجم المشاركة النهائي.
•أن تكون مجرد تقديم لأصوات الناخبين المعتادين على التصويت يوم الانتخابات.
•أن تعكس حماسة غير متساوية بين الحزبين، بحيث يستفيد أحدهما من قدرته على تنظيم أنصاره مبكراً.
والفصل بين هذه الاحتمالات لن يكون ممكناً إلا بعد إعلان النتائج النهائية وتحليل بيانات المشاركة حسب العمر والانتماء الحزبي والمناطق الجغرافية.
ثامناً: ما الولايات التي تستحق المتابعة؟
تكتسب تكساس أهمية خاصة بسبب المنافسة على مقعد مجلس الشيوخ بين الجمهوري كين باكستون والديمقراطي جيمس تالاريكو، إلى جانب سباق حاكم الولاية.
كما تستحق المتابعة:
•ميشيغان: بسبب المنافسة على مجلس الشيوخ وارتفاع المشاركة المبكرة.
•كارولاينا الشمالية: بسبب أهمية أصوات المستقلين والناخبين السود.
•مين: بسبب المنافسة على مقعد السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز.
•كانساس: بسبب المنافسة على مقعد مجلس الشيوخ.
•كارولاينا الجنوبية: بسبب ارتفاع التصويت المبكر والمنافسة على مقعد مجلس الشيوخ ومنصب الحاكم.
وتوضح هذه الولايات أن أهمية الإقبال لا تتعلق بالعدد الوطني وحده، بل بتوزيع الأصوات داخل الولايات المتنافسة.
التقدير السياسي: ما الذي ستقوله الانتخابات عن ترامب؟
لا يمكن اعتبار الإقبال المبكر وحده استفتاءً على ترامب، لكن يمكن أن يتحول إلى مؤشر مهم على مستوى الحماسة السياسية ومدى نجاح الحزبين في تعبئة أنصارهما.
وبالنسبة للجمهوريين، فإن ارتفاع المشاركة المبكرة لا يمثل مكسباً تلقائياً ما لم ينعكس على أصوات مرشحي الحزب، كما أن تقدم الديمقراطيين في التصويت المبكر لا يعني حسم الانتخابات لمصلحتهم.
أما ترامب، فسيواجه اختباراً سياسياً يتعلق بمدى احتفاظه بتأييد القاعدة الجمهورية، وقدرته على جذب المستقلين والناخبين المترددين، ومدى تأثير سياساته الاقتصادية والخارجية على الناخبين.
والأهم أن خسارة الجمهوريين لأحد مجلسي الكونغرس ستغير موازين السلطة خلال العامين المتبقيين من ولاية ترامب، بينما سيمنح الاحتفاظ بالأغلبية الإدارة مساحة أوسع لمواصلة برنامجها التشريعي.
الخلاصة: الانتخابات الحالية ليست مجرد منافسة على مقاعد الكونغرس، وإنما اختبار لقدرة ترامب على الاحتفاظ بنفوذه داخل الحزب الجمهوري، ولقدرة الديمقراطيين على تحويل الاعتراض على سياساته إلى مشاركة انتخابية فعلية. وستكون أصوات المستقلين والناخبين الشباب، إلى جانب توزيع المشاركة في الولايات المتأرجحة، من أهم المؤشرات التي تستحق المتابعة.
المصادر والدراسات
1.أسوشيتد برس، تحليل التصويت المبكر في الولايات الأمريكية، 30 أكتوبر 2026.
2.جامعة فلوريدا، مختبر الانتخابات، بيانات التصويت المبكر حتى 30 أكتوبر 2026.
3.غالوب، استطلاع اتجاهات التصويت المبكر، 29 أكتوبر 2026.
4.أكسيوس، جوزفين ووكر، تحليل مشاركة المستقلين والناخبين مبكراً، 29 أكتوبر 2026.
5.مركز بيو للأبحاث، تحليل الفئات العمرية وأنماط التصويت في انتخابات 2022 و2024.
6.مكتب الإحصاء الأمريكي، تقرير المشاركة في انتخابات التجديد النصفي لعام 2022.
7.مركز بيو للأبحاث، تحليل أنماط التصويت المبكر والبريد في انتخابات 2024.


