في نافذة الثقافة، ننظر إلى الكتب لا كأوراق تُقرأ، بل كمرايا تُكشف بها النفس الإنسانية
ومن الكتب التي تستحق التوقف طويلاً، كتاب “اللغة المنسية: مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير” للمفكر وعالم النفس الألماني الأمريكي إريك فروم، بترجمة الدكتور حسن قبيسي
كتاب يفتح للقارئ باباً لفهم لغةٍ نستخدمها كل ليلة، ونراها في كل حكاية قديمة، لكننا كثيراً ما نجهلها أو نتجاهلها
تعريف بالكتاب
كتاب “اللغة المنسية” هو دراسة تحليلية نفسية وثقافية، صدرت ترجمته العربية عن المركز الثقافي العربي، ويقع في نحو مئتي صفحة
يتناول الكتاب بالبحث والتحليل “اللغة الرمزية” التي تعبّر بها الأحلام والأساطير والحكايات الشعبية عن الخبرات الإنسانية العميقة، ويسعى إلى إعادة الاعتبار لهذه اللغة في زمن طغت عليه المادية والضجيج
مقدمة
يعيش الإنسان المعاصر في عالم يقدّس الوضوح والمنطق والنتائج السريعة، ويقصي كل ما لا يخضع لمعايير العقل الأداتي
وفي خضم هذا الزحام، فقد الإنسان قدرته على الإنصات إلى لغته الداخلية، لغة الرموز والأحلام
يأتي هذا الكتاب ليذكّرنا بأن الأحلام ليست عبثاً، وأن الأساطير ليست خرافات، بل هي مخزن حكمة إنسانية عابرة للثقافات
يرى فروم أن اللغة الرمزية هي “اللغة الجامعة الوحيدة التي قيّض للجنس البشري أن يبتدعها”، وأن فهمها ضرورة لكل من يريد معرفة نفسه حق المعرفة
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
يقدّم فروم في هذا الكتاب تعريفاً للرمز وأنواعه، ثم ينتقل إلى طبيعة الحلم ووظيفته النفسية، ويناقش نظريات فرويد ويونغ في تفسير الأحلام، ويستعرض تاريخ تفسير الأحلام عند الحضارات والفلاسفة، ويختم بفن تفسير الأحلام وتطبيقاته العيادية
خلاصة القول: الأحلام والأساطير ليست نتاجاً للاعقلانية، بل هي تعبير عن نشاط ذهني عميق يستخدم لغة الرمز للتعبير عن خبرات ومشاعر لا تستطيع اللغة العادية الإحاطة بها
أهم فصول الكتاب ومضمونها واقتباسات منها
الفصل الأول والثاني: طبيعة الكلام الرمزي
يشرح فروم أن الرمز هو شيء يمثل شيئاً آخر، وأن اللغة الرمزية هي “لغة نعبّر بها عن خبراتنا الداخلية كما لو كانت خبرات حسية، وكأنها شيء نفعله أو شيء يُفعل بنا في عالم الأشياء”
ويقسم الرموز إلى اصطلاحية وعرضية وجامعة، فالنار مثلاً رمز جامع للحيوية والحرارة، والماء رمز للسكينة والتدفق
الفصل الثالث: طبيعة الحلم
يقول فروم: “النوم ليس مجرد توقف زمني للراحة، بل هو القطب الثاني لوجودنا في مقابل حالة اليقظة”
ففي النوم نتحرر من عبء العمل والقلق، وندخل عالماً داخلياً نكون فيه أكثر شفافية وصدقاً مع أنفسنا
ومن أقواله في هذا الفصل: “أليس عجيباً أن اليقظة ليست نعمة خالصة بل لعنة أيضاً؟ أليس عجيباً أننا في حالة النوم، حين نكون وحدنا مع أنفسنا، نكون أقدر على الشعور والتفكير بأصدق وأثمن ما لدينا من مشاعر وأفكار؟”
الفصل الرابع: مناقشة نظريات فرويد ويونغ
ينتقد فروم إصرار فرويد على اختزال كل رموز الأحلام في رغبات طفلية أو جنسية، كما ينتقد نزعة يونغ الصوفية التي تفترض أن أصوات الحلم تأتي من مصدر خارجي متعالٍ، مؤكداً أنها تنبع من عقل الإنسان وخبراته الخاصة
الفصل الخامس: تاريخ تفسير الأحلام
يستعرض المؤلف آراء الحضارات القديمة والفلاسفة والمفكرين، من أرسطو إلى توماس الأكويني إلى برغسون، ليخلص إلى أن النظريات انقسمت بين من يرى الحلم تعبيراً عن الطبيعة الحيوانية، ومن يراه إلهاماً مقدساً، ومن يراه نشاطاً متكاملاً للذهن البشري
الفصل السادس: فن تفسير الأحلام
يؤكد فروم أن فهم لغة الأحلام “فن” يتطلب معرفة ومراناً وتعمقاً في شخصية الحالم، ويناقش أمثلة عيادية لأحلام العري وتسلق الجبال والكوابيس، مبيناً كيف تكشف عن صراعات نفسية عميقة
أهم أقوال الكتاب
“لغة الرموز هي اللغة التي تنطق عن الخبرات والمشاعر والأفكار الباطنة، كما تنطق لغتنا المحكية عن خبرات الواقع”
“الأسطورة، كما الحلم، تكمن أهميتها في تقديمها حكايا تشرح بلغة الرمز حشداً من الأفكار الدينية والفلسفية والأخلاقية”
“أحياناً نحلم بأمنيات هي استباق لأثمن أهدافنا، نرى أنفسنا نرقص أو نطير، نرى مدينة النور، نعيش حضور الأصدقاء السعداء”
أهمية الكتاب
تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه جسراً بين علم النفس التحليلي والتراث الإنساني من أساطير وحكايات
فهو لا يقدّم منهجاً تقنياً جافاً لتفسير الأحلام، بل يدعو إلى “فهم” اللغة الرمزية بدلاً من “تفسيرها” كأنها شيفرة مصطنعة
كما أنه ينبه الإنسان المعاصر إلى خطر الاغتراب عن ذاته الداخلية، ويقدّم له مفاتيح للعودة إلى نفسه عبر الإنصات إلى أحلامه وتأمل حكاياته
وفي سياق إسلامي، يمكن للقارئ المسلم أن يجد في هذا الكتاب دعوة للتأمل في آيات الله في الأنفس، وفي الرموز التي تحملها القصص القرآنية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تبنّي كل أطروحات فروم التحليلية
نقد الكتاب
من أبرز ما يمكن أن يُؤخذ على الكتاب في سياق إسلامي أنه ينطلق من فلسفة إنسانية وضعية، وإن كانت منفتحة على الدين
ففروم يرى أن الأحلام تنبع من “عقل الإنسان وخبراته الخاصة”، وينتقد النزعة الصوفية عند يونغ، وهذا المنطلق قد يتعارض مع التصور الإسلامي الذي يقرّ بأن الرؤيا الصادقة قد تكون من الله، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن “الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة”
كما أن تركيز فروم على “الرمز الجامع” قد يدفع البعض إلى قراءة الرموز بمعزل عن السياق الشرعي واللغوي العربي
ومن الناحية الفنية، يعيب بعض القراء على الترجمة عدم وضوح الفواصل بين الاقتباسات الطويلة والنص الأصلي
كتب مشابهة وأعمال تراثية رائدة
لمن يريد التوسع في هذا الموضوع، هناك كتب أساسية في علم النفس التحليلي وتفسير الأحلام، منها “تفسير الأحلام” لسيغموند فرويد، و”الإنسان والرموز” لكارل يونغ، و”الإنسان يبحث عن المعنى” لفيكتور فرانكل، و”الأسطورة والمعنى” لفراس السواح
لكن الأهم في سياقنا العربي والإسلامي هو العودة إلى كنوزنا التراثية التي مارست هذه “اللغة المنسية” عملياً قبل أن تنظّر لها
فكتاب “كليلة ودمنة” لابن المقفع هو مثال ذهبي على الحكاية الرمزية التي تخفي خلف الحيوانات والطيور دروساً في السياسة والأخلاق والنفس البشرية
فبينما يستخدم فروم الأسطورة اليونانية أو الحلم الفردي ليشرح الرمز، نجد في “كليلة ودمنة” بناءً رمزياً جماعياً يتوارثه الناس جيلاً بعد جيل، وكأنه حلم جماعي يقظ
وكتاب “ألف ليلة وليلة” هو الآخر بحر من الرموز، من شهرزاد التي تشفي الملك بالسرد، إلى الجان والمدن الغارقة في البحر، كلها صور رمزية للصراع بين الحياة والموت، والعقل والهوى، والعدل والظلم
هذه الأعمال، إذا قرئت بعين فروم، تكشف عن أن أسلافنا لم يكونوا بحاجة إلى علم نفس تحليلي ليحفظوا هذه اللغة، بل كانوا يعيشونها فناً وحكمة
وهنا تكمن القيمة المضافة لهذا الكتاب: أنه يعيدنا إلى تراثنا لا لينسخه، بل ليفهمه بعمق جديد
ربط الكتاب بالواقع الآن
في زمن تنتشر فيه اضطرابات القلق والاكتئاب والأرق، يقدّم فروم دعوة بالغة الأهمية: أن نعيد للراحة والنوم والأحلام مكانتها كحالات وجودية تحمل معنى، لا كمجرد فترات لاستعادة الطاقة الجسدية
كما أن شبكات التواصل الاجتماعي ملأى بالقصص والرموز التي تؤثر في اللاوعي الجماعي، وهذا يستدعي من المسلم وعياً نقدياً بما يستهلكه من حكايات وصور
والأهم من ذلك، أن الانشغال بالعالم الخارجي قد صرفنا عن “اللغة المنسية” التي تربطنا بأنفسنا وبخالقنا، فكثير من الناس لا يعرفون كيف ينصتون لأحلامهم ولا كيف يقرأون ما تمر به قلوبهم
وفي عصر تتجدد فيه الحاجة إلى حكايات تربي وتواسي، يذكّرنا فروم بأن الحكاية الرمزية قادرة على اختراق الحجب التي تمنع الكلمة المباشرة من الوصول، وهذا ما يجعل من حكايات كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة معيناً تربوياً لا ينضب
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
إريك فروم (1900-1980) عالم نفس واجتماع وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي
وُلد في فرانكفورت لأسرة يهودية أرثوذكسية، ودرس القانون ثم انتقل إلى علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة، ونال الدكتوراه من جامعة هايدلبرغ عام 1922
هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1934 هرباً من الاضطهاد النازي، وحصل على الجنسية الأمريكية، ودرّس في جامعات كولومبيا وييل وميشيغان
من أشهر مؤلفاته: “الهروب من الحرية”، و”فن الحب”، و”التحليل النفسي والدين”، و”الإنسان لنفسه”، و”اللغة المنسية”
الكتاب في ميزان الإسلام
هذا الكتاب ليس كتاباً دينياً، بل هو كتاب في علم النفس والثقافة، ولا يمكن الحكم عليه ككلٍّ بأنه “إسلامي” أو “غير إسلامي”
ما فيه من دعوة إلى التأمل في النفس، وإلى عدم الاستهانة بالأحلام، وإلى فهم الرموز التي تحملها القصص، يمكن أن يتوافق مع توجيهات الإسلام التي تحث على التدبر والتفكر
لكن ما فيه من منطلقات تحليلية وضعية، وخاصة اختزال بعض الرموز في دلالات جنسية أو طفلية، وما قد يتضمنه من تأويلات لا تنضبط بضوابط الرؤيا الشرعية، هو ما يحتاج إلى مراجعة ونقد
فالمسلم يقرأ هذا الكتاب بعين ناقدة، فيأخذ منه ما ينفعه في فهم نفسه وسبر أغوارها، ويترك ما يتعارض مع عقيدته أو يخالف صريح الشرع