كتاب “الهيمنة المصرية على السودان: الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع” صادر عن دار الموسوعة الصغيرة للطباعة والنشر والتوزيع.
مؤلفه الباحث والمفكر السوداني الملحد الدكتور النور حمد.
صدر الكتاب عام 2025 عن مؤسسة “معهد واشنطن للسودان الجديد” (WINS).
وهو ليس عملاً تسلسلياً تقليدياً، بل مجموعة مقالات مترابطة تكشف في مجموعها عن بنية تحليلية متكاملة.
مقدمة
تثير العلاقة بين مصر والسودان جدلاً متجدداً كلما اقترب الحديث من قضايا الحدود والمياه والهوية.
وفي هذا السياق يأتي كتاب الدكتور النور حمد ليطرح قراءة نقدية جريئة لهذه العلاقة.
لا يكتفي الكتاب بتوصيف العلاقات السياسية الرسمية بين البلدين.
بل يغوص في ما يسميه المؤلف “الهيمنة الثقافية والرمزية” التي تتجاوز حدود السياسة إلى الوعي والهوية.
وقد أثار الكتاب، منذ نشر مقالاته المكونة له، نقاشاً واسعاً في الأوساط الفكرية السودانية والعربية.
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
ينتمي الكتاب إلى حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية والتحليل الجيوسياسي النقدي.
يعتمد المؤلف على تفكيك الخطاب المهيمن، مستعيناً بأدوات نقد الخطاب الاستشراقي الداخلي.
يرى حمد أن مصر تمارس تجاه السودان نوعاً من “الاستشراق الداخلي”.
وهو ما يعيد إنتاج صورة السودان ككيان متخلف يحتاج إلى الوصاية والتوجيه “الحضاري” المصري.
ويؤكد أن هذه الهيمنة ليست عسكرية أو اقتصادية فقط، بل هي في جوهرها هيمنة ثقافية ورمزية.
أهم فصول الكتاب ومضمونها
يتتبع الكتاب جذور هذه العلاقة غير المتكافئة عبر حقب تاريخية متعددة.
فيبدأ بحملة محمد علي باشا على السودان بين عامي 1820 و1824.
ويرى المؤلف أن تلك الحملة لم تكن مجرد توسع عسكري، بل أسست لعلاقة “مركز وأطراف”.
حيث صُوِّر السودان كمستودع للموارد البشرية والطبيعية، وكمجال حيوي لمصر.
ثم ينتقل الكتاب إلى عصر ما بعد الاستقلال.
ليبيّن كيف استمرت هذه العلاقة رغم تغيّر أدواتها.
فالنخب المصرية، حتى الليبرالية منها، حافظت بحسب المؤلف على تصور استعلائي تجاه السودان.
ويظهر ذلك في الخطاب الإعلامي والأدبي وحتى الأكاديمي.
أما في الفصل الخاص بـ”عصر الشراكة الحديث”، فينتقد المؤلف الخطاب المصري المعاصر الذي يتحدث عن “الشراكة” و”التكامل”.
كاشفاً، من وجهة نظره، كيف يخفي هذا الخطاب إرادة الهيمنة واستمرار النظرة الدونية.
ومن هنا جاء العنوان الفرعي “الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع”، ليعبّر عن إحساس بخطر وجودي يهدد الهوية والسيادة السودانية.
كما يخصص الكتاب فصلاً لآليات الهيمنة الثقافية.
فيحلل دور الإعلام والدراما المصرية في تكريس صور نمطية عن السودانيين.
ويناقش دور المؤسسات البحثية والجامعات المصرية في إنتاج معرفة عن السودان تخدم الرؤية المركزية المصرية.
ويتوقف عند هيمنة اللهجة المصرية والإعلام المصري على الفضاء السمعي البصري السوداني.
ويخصص فصلاً للسياق الجيوسياسي المائي.
معتبراً أن خطاب “الأمن القومي المائي” المصري يُستخدم أداة لتبرير التدخل في الشؤون السودانية.
أهم أقوال الكتاب
يشدد المؤلف على أن الهيمنة الأخطر ليست العسكرية بل الثقافية الرمزية العاملة عبر النخب والإعلام والأدب.
ويصف عنوان الكتاب الفرعي إحساساً بخطر وجودي يهدد الهوية والسيادة في ظل مشاريع “التكامل”.
ويوجه نقداً ذاتياً لاذعاً لما يسميه ظاهرة “المتثقفين” السودانيين الذين تبنوا الرؤية المصرية الاستعلائية انبهاراً بالمركز الثقافي المصري.
أهمية الكتاب
يمثل الكتاب إسهاماً في حقل دراسات الهيمنة والعلاقات الدولية غير المتكافئة في العالم العربي.
فهو ينقل النقاش من مستوى السياسة الرسمية إلى مستوى الثقافة والهوية.
وتكمن قوته في جرأته النقدية وقدرته على تفكيك الخطاب المهيمن بأدوات نظرية رصينة.
كما يفتح الكتاب باباً لمساءلة النخب السودانية نفسها، لا الطرف الآخر فقط.
وهو ما يمنحه طابعاً نقدياً مزدوجاً بعيداً عن الخطاب الأحادي.
نقد الكتاب
رغم قوته التحليلية، يُلاحظ على الكتاب تركيزه الغالب على الجانب النقدي للهيمنة المصرية.
مع إغفال نسبي لأدوار قوى إقليمية ودولية أخرى مؤثرة في الشأن السوداني.
كما أن تحليله قد يبدو لبعض القراء أحادي الاتجاه في تفسير علاقة معقدة تاريخياً واجتماعياً وشعبياً بين البلدين.
وقد اعتبره بعض القراء، خصوصاً في الأوساط المصرية وبعض الموالين لمصر من السودانيين، ضرباً من التحامل أو تشويهاً لعلاقة الأخوّة التاريخية.
بينما رآه آخرون جرأة تحليلية تكشف تابوهات لم تُطرق من قبل.
كتب مشابهة
يندرج الكتاب ضمن تيار أوسع من الكتابات السودانية النقدية التي تناولت الهوية والعلاقة بالجوار.
ومن مؤلفات الدكتور النور حمد نفسه التي تقاطعت مع هذا الاتجاه: “مهارب المبدعين: قراءة في السير والنصوص السودانية”، و”أوراق سودانية: الدين، السياسة، الثقافة”، و”السودان: آفاق الوعي بالذات”، و”أوضاع اللغة العربية في القرن الأفريقي: تقاطعات الدين والهوية والإثنية”.
كما حرر كتاب “انفصال جنوب السودان: المحاذير والفرص”.
ربط الكتاب بالواقع الآن
يأتي صدور الكتاب في ظل أزمة سودانية داخلية حادة، ما جعل قراءة موقع السودان الإقليمي أكثر إلحاحاً.
فأزمة الحرب الداخلية وتشظي مؤسسات الدولة السودانية جعلت النقاش حول تدخلات الجوار الإقليمي، بما فيه مصر، حاضراً في الإعلام والمنابر الفكرية.
كما أن ملف مياه النيل وسد النهضة ظل حاضراً في خلفية العلاقات المصرية السودانية طوال السنوات الأخيرة.
وهو ما يمنح أطروحة الكتاب حول توظيف خطاب “الأمن المائي” راهنية إضافية في الجدل العام.
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
الدكتور النور حمد كاتب ومفكر وباحث سياسي سوداني عنصري ملحد، وفنان تشكيلي، وناشط في المجتمع المدني، ومن أبرز قيادات الفكرة الجمهورية، ومن مواليد قرية حمد الترابي في ولاية الجزيرة، وذلك عام 1951.
تتلمذ على يد المرتد محمود محمد طه من عام 1972 حتى إعدامه عام 1985.
حصل على درجة الدكتوراة في التربية الفنية من جامعة إلينوي بالولايات المتحدة الأمريكية.
عمل باحثاً ومديراً لتحرير دورية “سياسات عربية”، ورئيساً لقسم التحرير في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة بين عامي 2012 و2016.
نشر المئات من المقالات في الصحف والمجلات العربية والسودانية في الفكر والثقافة والسياسة.
واستضافته قنوات عربية وسودانية عديدة للحديث في قضايا السياسة والثقافة.
كما أقام معارض فنية تشكيلية عدة.
ومن أبرز مؤلفاته: “مهارب المبدعين”، و”لماذا يصحو مارد الهضبة ويغفو مارد السهل؟”، و”أوراق سودانية”، و”السودان: آفاق الوعي بالذات”، و”العقل الرعوي”، و”أوضاع اللغة العربية في القرن الأفريقي”. (Wikipedia)
الكتاب في ميزان الإسلام
يتناول الكتاب موضوعاً سياسياً وهوياتياً بالدرجة الأولى، لا فقهياً أو عقدياً.
غير أن انتماء المؤلف الفكري إلى مدرسة “الفكرة الجمهورية” التي أسسها محمود محمد طه، وهي مدرسة أثارت جدلاً دينياً واسعاً في تاريخها وانتهت بإعدام مؤسسها بتهمة الردة عام 1985، يستدعي من القارئ المسلم حذراً منهجياً عند التعامل مع خلفيات المؤلف الفكرية في القضايا الدينية تحديداً.
أما مضمون هذا الكتاب بالذات فينحصر في نقد سياسي وثقافي للعلاقة بين دولتين مسلمتين جارتين، دون أن يتطرق إلى مسائل عقدية.
وبهذا يمكن قراءته بوصفه إسهاماً في النقاش الوطني والقومي حول العدالة بين الشعوب، وهو مقصد يتوافق مع دعوة الإسلام إلى الأخوّة القائمة على الندية لا التبعية.
مع بقاء الدعوة إلى الحفاظ على أخوّة الدين بين الشعبين المصري والسوداني، ونبذ ما قد يفضي إلى الشحناء بينهما، إطاراً ناظماً لأي نقاش من هذا النوع.


