في زمنٍ كثر فيه الحديث عن “يهود مصر” بين من يبالغ في تضخيم دورهم وبين من ينفي وجودهم، يأتي هذا الكتاب ليقول كلمة العلم والتوثيق.
إنه ليس كتاباً عاطفياً، بل هو دراسة تاريخية رصينة تعتمد على الوثائق والمراجع، لترسم صورة شاملة عن جماعة عاشت على أرض مصر قروناً طويلة، وتفاعلت مع أهلها في السراء والضراء.
يقدم المؤلف في مقدمته عرضاً تاريخياً يبدأ من العصر الفرعوني، ويمر بالعصور البطلمية والرومانية والإسلامية، وصولاً إلى العصر الحديث، محاولاً تفكيك كثير من الرواسب الذهنية الخاطئة التي ترسخت في العقل الجمعي عن هذه الطائفة .
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
يتتبع الكتاب تاريخ الوجود اليهودي في مصر منذ العصر الفرعوني، مسلطاً الضوء على حياتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية في كل عصر.
ويوثق الكتاب دورهم في الحياة العامة، وتأسيسهم للصحف والمؤسسات، وتغلغلهم في الاقتصاد المصري في فترات معينة، خاصة في النصف الأول من القرن العشرين.
كما يتناول الكتاب بالتحليل النشاط الصهيوني في مصر، والعلاقة بين الطائفة اليهودية المصرية والمشروع الصهيوني، وينتهي بخروجهم من مصر في عصر الرئيس جمال عبد الناصر وما تلاه .
أهم فصول الكتاب ومضمونها
اليهود في مصر الفرعونية والخروج: يستهل المؤلف كتابه بالحديث عن هجرة بني إسرائيل إلى مصر واستقرارهم فيها، ثم حادثة الخروج التي يصفها بأنها محور التاريخ اليهودي، موضحاً أن اليهود لم يستفيدوا من هجرة في تاريخهم كما استفادوا من هجرتهم إلى مصر .
اليهود في العصور الإسلامية: يتناول الكتاب حياة اليهود في العصر الإسلامي، موضحاً أنهم عاشوا كأهل ذمة، وأن الطوائف اليهودية ذات الأصول العربية التي عاشت تحت مظلة الحضارة الإسلامية لم تعرف العزلة والجيتو التي ميزت الوجود اليهودي في أوروبا .
الاقتصاد والصحافة والفن: يخصص المؤلف فصولاً وافية للحديث عن الهيمنة الاقتصادية لبعض العائلات اليهودية على الاقتصاد المصري في مطلع القرن العشرين، كما يتحدث عن إصدارهم لما يقرب من خمسين صحيفة ومجلة بين عامي 1877 و1947، وعن دورهم في الفن والأدب .
النشاط الصهيوني والتجسس: يتناول الكتاب بالتوثيق النشاط الصهيوني في مصر، وتنظيمات التجسس، وفضيحة لافون، وكيف حاولت الحركة الصهيونية تجنيد أبناء الطائفة لخدمة أهدافها .
خروج اليهود من مصر: يختتم المؤلف فصوله ببحث حول خروج اليهود من مصر في عصر عبد الناصر، ووضعهم الحالي، موضحاً أن أعدادهم تراجعت بشكل كبير بعد عام 1956 .
اقتباسات من الكتاب
“إن اليهود لم يستفيدوا من هجرة في تاريخهم كله كما استفادوا من هجرتهم إلى مصر، فعرفوا الاستقرار والحياة الرغدة على ضفاف النيل، ونهلوا من مناهل الحضارة المصرية” .
“الطوائف اليهودية ذات الأصول العربية والتي عاشت تحت مظلة الحضارة الإسلامية لم تعرف العزلة الاجتماعية داخل الجيتو التي ميزت الوجود اليهودي في أوروبا” .
“القرصنة التاريخية لحساب الأيديولوجية الصهيونية مستمرة في عبارات مسمومة ودعاوى زائفة لافتعال تاريخ ما يسمى الشعب الإسرائيلي” .
أهم أقوال الكتاب
المؤرخون أجمعوا على أن اليهود لم تكن لهم مراحل استيطان تاريخي طويلة في بقعة واحدة من الأرض، بل كانت الهجرة سمة بارزة في تاريخهم .
المجتمعات العربية لم تعتبر اليهود جالية أجنبية، بل اعتبرتهم عرباً اعتنقوا الدين اليهودي، ولم تميزهم سلوكياتهم عن بقية أبناء المجتمع .
تيودور هيرتزل بدأ تحركه بالتآمر على مصر تحديداً، عندما حاول إقناع المسؤولين البريطانيين باقتطاع أرض سيناء وتأجيرها لليهود لمدة 99 سنة .
أهمية الكتاب
يكتسب هذا الكتاب أهمية خاصة كونه من أوائل الأعمال التي قدمت عرضاً شاملاً ومؤرخاً لحياة اليهود في مصر عبر كل العصور، وليس فقط في العصر الحديث.
يقدم الكتاب مادة تاريخية غنية للباحثين والمثقفين، ويعمل على تصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة، سواء تلك التي تبالغ في دور اليهود أو تلك التي تتجاهل وجودهم التاريخي .
قرار وزارة الخارجية المصرية بتعميم كتب المؤلف عن يهود مصر على السفارات والقنصليات يعكس القيمة العلمية والمعرفية لهذه الأعمال .
نقد الكتاب
من ناحية المنهج، يلتزم المؤلف إلى حد كبير بالطرح التاريخي الوثائقي، لكن بعض النقاد قد يرون أن الكتاب، رغم شموليته، يظل محكوماً بسياقه الزمني (صدر عام 2000)، وبالتالي قد لا يكون قد استوعب كل التطورات أو الدراسات اللاحقة التي تناولت الموضوع.
كما أن الكتاب يركز بشكل كبير على الجوانب السياسية والاقتصادية، وقد يجد القارئ الذي يبحث عن تفاصيل الحياة اليومية والعادات الاجتماعية البسيطة للطائفة اليهودية مادة أقل كثافة، رغم وجود فصول عن المؤسسات والمعابد.
كتب مشابهة
من الكتب التي تتقاطع مع هذا الموضوع كتاب “ملف اليهود في مصر الحديثة” للمؤلف نفسه، والذي يعد مدخلاً مهماً للموضوع .
هناك أيضاً كتابات المؤرخين المصريين الذين تناولوا تاريخ الطوائف في مصر الحديثة، مثل أعمال بعض الباحثين في دار الكتب والوثائق القومية، والتي توفر مادة وثائقية داعمة.
ربط الكتاب بالواقع الآن
في ظل محاولات بعض التيارات المتطرفة إعادة إنتاج خطاب معادٍ لليهود بشكل عام، يقدم هذا الكتاب فرصة للتمييز بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كمشروع سياسي استعماري.
كما أن الكتاب يذكرنا بأن اليهود المصريين كانوا جزءاً من النسيج الوطني، وأن كثيراً منهم لم يكن لهم علاقة بالمشروع الصهيوني، وهو ما يتعارض مع السرديات التي تخلط بين اليهودي والصهيوني.
وفي زمنٍ تعيد فيه بعض القوى الإقليمية طرح “التطبيع”، فإن فهم التاريخ الحقيقي لليهود في مصر، بعيداً عن التشويه أو التهويل، يظل ضرورة معرفية لبناء موقف واعٍ.
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
المؤلف هو عرفة عبده علي، مؤرخ وكاتب وباحث مصري الجنسية .
عمل مساعداً لمدير مكتبة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، وهو متخصص في تاريخ اليهود في مصر وتاريخ القاهرة ومعالمها .
من أبرز مؤلفاته: “تهويد عقل مصر”، “ملف اليهود في مصر الحديثة”، “القاهرة في عصر إسماعيل”، “الإسكندرية في عصرها الذهبي”، “وصف مصر بالصورة”، و”إيلي كوهين في دمشق” .
الكتاب في ميزان الإسلام
من منظور إسلامي معتدل، فإن الكتاب يقدم مادة تاريخية مفيدة، لكنه ليس كتاباً في العقيدة أو الفقه، بل هو كتاب تاريخ.
الميزان الإسلامي هنا يتعلق بضبط المفاهيم: فالإسلام يفرق بين معاملة اليهود كأهل كتاب وذمة وبين مواجهة الصهيونية كعدو سياسي محتل.
الكتاب يساعد في فهم سياق الآيات والأحاديث التي تتحدث عن بني إسرائيل، ويفصل بين ما هو ديني ثابت وما هو تاريخي متغير.
كما أن الكتاب يخلو من التحريض العرقي أو الديني، بل يقدم نقداً سياسياً للمشروع الصهيوني، وهو ما يتوافق مع المبدأ الإسلامي في العدل حتى مع المخالف.